العاصمة الجديدة

16-8-2019 | 20:32

 

يحكى أنه بعد أن استقر جوهر الصقلي على موقع العاصمة الجديدة ، قرر استدعاء علماء الفلك ليحددوا اللحظة المناسبة لبدء العمل، وبالتحديد حين يظهر في السماء كوكب ذو فأل حسن..

وكان كوكب المريخ صاعدًا ففزع الفلكيون لأن المريخ كان قاهر الفلك وظهوره في تلك اللحظة التاريخية يعني، كما تقول الأسطورة، أن هذه المدينة سوف يستعبدها الغزاة كثيرًا!!

ولكن العمل بدأ وكان مطلوبًا تعيين اسم لها، وبعد مشاورات قرر القائد جوهر تسميتها "المنصورية"، لكن المعز لدين الله الفاطمي رفض وأمر بأن تكون قاهرة المعز، على اسم ذلك الكوكب الذي ظهر في لحظة بدء البناء..

لقد تحركت "العاصمة" كثيرًا، على الأقل في الزمن العربي، من "الفسطاط" التي اشُتق اسمها من "خيمة" أو "معسكر" على عهد عمرو بن العاص، حتى باتت العاصمة التي بناها على أطراف مدينة بابليون، والقريبة من النيل ومن جبل المقطم، هي العاصمة الإدارية لمصر، ثم في عهود لاحقة إلى "العسكر"، و"القطائع"، حتى جاء الفاطميون وأسسوا القاهرة ..

والآن.. مصر تترقب انتقال المؤسسات الحكومية إلي العاصمة الإدارية الجديدة بشكل كامل ونهائي بحلول العام المقبل.. بعد ثلاث سنوات من وضع حجر الأساس، وكان ذلك في 11 أكتوبر 2017، وعندما يبدأ أول يوم عمل للموظفين هناك في أول يوليو 2020 يكون قد مر ألف يوم على وضع حجر الأساس.

كانت القاهرة قد ازدحمت وناءت بأعبائها طوال الثمانينيات والتسعينيات ودخلنا الألفية الجديدة بأزمات سكانية ومرورية شديدة الصعوبة. وصارت أفكارًا عدة لإيجاد حل، كان شق الطريق الدائري إحداها، لكن تحول الدائري إلى كارثة والأوتوستراد بحاجة إلى أوتوستراد جديد، ومترو الأنفاق لا يصل إلى كل الجهات والمحور ينوء بحمله... وهكذا.. ولن أستفيض في الأمور الواضحة لكل قاهري ولكل زائر..

وفكر البعض في أن القاهرة لا تزداد طبيعيًا وإنما بفضل الهجرة من الوجه القبلي والبحري، مما يقضي -وهذا حق أصيل- تطوير المدن بل المحافظات الأكثر تصديرًا للهجرة.. لكنه ظل كلامًا نظريًا عظيمًا، وحتى الآن.. ف القاهرة بضجيجها وزحامها وصعوبة الحياة فيها أرحم بكثير، وكما قال لي شاب أسواني ذات مرة قبل سنوات إنه يمكن له العيش في القاهرة حتى لو باع التراب على أن يستمر في أسوان.

تطوير المدن في المحافظات لجعل الحياة ممكنة والحد من هجرة سكانها إلي القاهرة أمرًا يجب عدم استبعاده، والعمل عليه طوال الوقت، لأنه لا توجد مدينة في مصر قديمة أو جديدة يمكنها تحمل كل السكان.

وكان صفوت الشريف عندما كان رئيسًا ل مجلس الشورى -وعلى الملأ- قد طرح أن حكومة أحمد نظيف تفكر في إنشاء عاصمة جديدة، وهي إحدى الأفكار التي يمكن أن تخفف من الضغوط على القاهرة ، لكن الرئيس مبارك قمعه علنًا، وأعلن أن مصر غير جاهزة لعاصمة جديدة ستكلف المليارات.

وبناء عواصم جديدة للدول المكتظة التي فشلت في التخطيط العمراني والرقابة الحكومية على الفساد ليس بدعة، وفعلتها البرازيل وماليزيا وتركيا ونيجيريا قبل سنوات قليلة..

ولذلك ينبغي أن يجتمع أهل العلم من جغرافيين ومؤرخين وسياسيين لاختيار اسم للعاصمة الإدارية، بعد الانتهاء من المهلة التي حددتها شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، خلال أيام، حيث أعلنت عن مسابقة لاختيار اسم وشعار للعاصمة الإدارية الجديدة.

وأن يتاح لأهل النخبة المصرية مراجعة ما سيرد من قوائم اقتراحات هذه المسابقة، وما سيتم طرحه من قبل البعض للتوصل إلى اسم للعاصمة الإدارية.

وأسأل: هل تتحول العاصمة الجديدة إلي عاصمة إدارية وسياسية في الوقت نفسه، وهل هي بحاجة إلى اسم جديد.. ما الضرر في أن تنتقل الإدارة والسفارات إلي العاصمة الإدارية كحي إداري وسكني راق وحديث وواجهة للتقدم والحداثة، في إطار القاهرة نفسها، وليس قفزًا من فوق أسوارها.

فالعاصمة الإدارية ليست بعيدة عن القاهرة ، هي 45 كم فقط، وليس بينها وبين القاهرة خلاءات وفراغات وإنما مساحات شبه مأهولة بمدن ومناطق سكنية، والفراغات الحالية ستمتلئ حتمًا في غضون سنوات معدودة بمشروعات سكنية وإدارية، وبالتالي فإن الالتحام في جسد القاهرة أمر طبيعي.

ولو وسعنا عدسة الرؤية لنرى ونركز علي ما هو أبعد، فلن نجد أي أزمة في أن يظل اسم " القاهرة " هو اسم العاصمة بأجزائها وأحيائها الإدارية والسكنية والصناعية.

إن تشييد العاصمة الإدارية الجديدة مغامرة كبرى لأنها تبنى بمواصفات حديثة ومتطورة عمرانيًا وتنافسيًا، وقد مال كثيرون إلى الاستجابة، وقرروا الانتقال أو على الأقل الاستثمار فيها، وستكون أيضا مركز صنع القرار في مصر بعد انتقال مقار الرئاسة والحكومة والبرلمان والسفارات الأجنبية، أما المكان نفسه الذي أقيمت عليه فقد كان صحراء قاحلة بغير زرع ولا ماء يتوسط الطرق ما بين القاهرة والسويس والعين السخنة.

ومن المؤكد أن حسن بناء وتنظيم العاصمة الإدارية الجديدة سيجلب الكثير من الأفكار للمحافظات المصرية الأخرى؛ لأن العاصمة الإدارية لن تتيح أي فرصة لنمو العشوائيات ولمخالفات المباني التي تتصالح معها المحليات، وهو تصالح في النهاية على حساب مستقبل مصر.

مقالات اخري للكاتب

لمسات الرئيس وحزبه

يبدو أن كثيرين مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية باتوا يفضلون طرح السؤال عن تأثير فوز أحد المرشحين على العلاقات مع مصر..

التوسع التركي إلى أين؟

من حق الرئيس التركي أردوغان - بل من واجبه - أن يمد ذراعيه لتطال أوسع دائرة ممكنة في الإقليم، وهو لم يخفِ الغايات، وهي أنه لا ينبغي تجاهل تركيا، كما لم يحرص على مداراة الوسائل، وإن كانت لا تكترث بأي أحد أو أي تصورات عند البعض..

في ذكرى يوم العبور

اتخذ النصر في 6 أكتوبر 1973 مسميات كثيرة على لسان المصريين ولكن ظل "يوم العبور" واحدًا من أهمها معنى ومبنى، وصفًا وتجسيدًا، ودقة واتساعًا وشمولاً.. وبات

ضيقة الأزقة مرتفعة البناء

"ضيقة الأزقة مرتفعة البناء"، من كتاب "الفسطاط وضاحيتاها العسكر والقطائع" لعبدالرحمن زكي نقرأ: وقد قال روفس (طبيب إغريقي مشهور نشأ في أفسوس وازدهر اسمه في الإسكندرية في أثناء القرن الأول الميلادي): إذا ما دخلت مدينة فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء فاهرب منها لأنها وبيئة.

حدائق الفيس بوك

في جلسة خاصة جمعتني بالأستاذ السيد ياسين في معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته: كيف يرى استعاضة المصريين عن اللقاء المباشر الحميم بإرسال التهاني والتعازي

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (25)

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل، حيث الندوة الأسبوعية لنجيب محفوظ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

مادة إعلانية

[x]