عودة اللمة

13-8-2019 | 15:29

 

قتل صديقه لمجرد خلافه في الرأي، وكان في البداية الحوار هادئا، وتطور بسرعة إلي سب وشتم، وآخر ضرب شقيقه وأصابه بسبب نصحه له، وكم من زوج طلق زوجته علي إثر مشادة كلامية بينهما، وإحصائيات الطلاق المفزعة تعود نسبة كبيرة منها إلي هذا العامل، وأحيانا يتعدي الابن علي أحد والديه لمعارضتهما علي أفعاله وسلوكه، وكانت في المقابل انتشار ظاهرة الصمت الأسري أو ما يسمي بالأخرس الزوجي داخل البيوت المصرية، التي أخذت في الانسحاب علي جميع العلاقات الاجتماعية، وصار الكثير يتجنب الإدلاء برأيه خشية غضب الآخر والتطاول عليه.

ويعني أننا أفسدنا بيننا عادة حميدة، وجعلنا منها أن لغة الحوار هي ما تفسد للود قضية، ومن ثم تضخمت لدي الناس فوبيا الصمت إزاء أي قضية، حتى وصل الأمر إلي موت النخوة في نفوس البعض، وفضلوا الاكتفاء بالفرجة علي اعتداء شخص علي الآخر أو الصمت أمام الاعتداء علي امرأة، ولا يؤمنون بأن الحوار والحديث المتبادل بين الأطراف غايته الوصول إلي فائدة أو حل لقضية، وفهموا معني الحوار أنه جدال ومحاولة كل طرف لفرض رأيه، والفرق كبير بين الحوار والجدل فالحوار أسلوب للمكاشفة والمصارحة دون لف أو دوران، وعلي النقيض منه الجدال الذي لا يسفر عن إجابة صائبة، ونهاية الجدال سباب ولغط في الحديث.

والشخص المتعصب لرأيه إن لم تكن معه فأنت ضده، ودائما يريد السيطرة علي مجريات الحوار، وإن كانت آراؤه سلبية وتضر بالغير، ويجري هذا الوصف علي النرجسي، وكأن لسان حالهما يقول إنهما علي حق دائما، مع الاختلاف في أن النرجسي يلقي الريبة في أرائك، ويبث الروع في نفسك، ويصفون علماء النفس الشخص النرجسي بأنه يميل إلي الكذب والتلاعب بالألفاظ، والمتعصب لرأيه يتشنج وينفعل حين تصحح أخطاءه، ويكابر ويقحمك في جدال ليثبت صحة رأيه المخالف للواقع، والتعصب إحدى سمات الإرهابي والشخصية العدوانية، والنرجسي والمتعصب يشتركان في حب الأنا، والمتعصب وليد تنشأة أسرية لا تسمع إلا صوت نفسها، والنرجسي معتل نفسيا، يعاني من اضطرابات شخصية تجعله عاشقا لنفسه، ويري أنه شخص نادر الوجود ولا يفهمه إلا خاصة الناس.

ومن الخطأ تصور أن الحوار مع الآخر لا يجدي، وأن ندع كل واحد وشأنه ليفعل ما يفعله، وانتشار هذا المفهوم السلبي يخلق تنافرا مجتمعيا، ويؤصل واقعا مذموما يعتلي فيه قيم المصلحة الفردية في مقابل المصلحة العامة، وتظهر انعكاساته في تحلل الروابط العائلية، وإلي غياب تقليد هام في مجتمعنا كان يحدث في الماضي، وهو تجمع أفراد العائلة الواحدة كل يوم جمعة في البيت الكبير، ونظرا لتراجع مساحة مكان البيت في العصر الحالي، فليكن التجمع في بيت كبير العائلة ولو مرة واحدة في الشهر.

وعلي الوالدين أن يجتهدوا في جمع لم شمل أولادهما من أجل تحاور أسري هادئ لمدة ساعة واحدة من يوم لآخر، ليربيا فيهم التقارب الوجداني وتقبل ثقافة الاختلاف، فقد خلصت دراسات حديثة إلي أن معدل الحوار بين الزوجين وصل إلي 5 دقائق يوميا، وأن معدل الوقت التي تقضيه الأم مع أطفالها يقل عن ساعة، والأب مع أولاده أقل من ربع ساعة.

وقد تكون عودة اللمة في البيت الكبير أو عند الكبير هي السبيل لتربية جيل جديد يؤمن بالتحاور البناء القائم علي احترام أراء الجميع، والإنصات إليها حتى لو كان الرأي هامشيا، ولكي يفرغ الجميع ما بداخله، سعيا لبناء شخصية سوية تقبل بالرأي الآخر، ومن خلالها يتم الوقاية من التعصب والنرجسية، ولا تتعجب من فكرة العادة الموروثة في مجتمعنا، فهي كانت من أحد أسباب حصول أهل الدنمارك علي أعلي مؤشر للسعادة علي مستوي العالم، بعد أن اكتشف الدنماركيون أن لمتهم سواء خارج المنزل أو في داخله وحرصهم الدائم علي التواصل بشكل منتظر سر سعادتهم والتراحم بينهم.

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

سؤال لا يجيب عنه المحبطون

"الكل يتآمر عليّ"، "الأبواب مغلقة كلها في وجهي"، "فشلت في كل شيء"، "مات كل جميل في قلبي"، عبارات تتردد على آذاننا من جميع الأعمار، والجدير بالإشارة أن

نسمع طحنا ولا نرى طحينا

في الصين حكمة تقول: "اللسان للعرب واليدان للصينيين"، بمعنى أن العرب يجيدون المبالغة وإنتاجهم ضعيف، وحالة الجدل المأجوج بين فقهاء عرب في شتى مجالات الحياة العصرية، تعكس نوعًا من اللامبالاة بعنصر الوقت وإضاعته سدى؛ مما يتبعه خسائر اقتصادية فادحة.

الدواء فيه سم قاتل لابنك

لا بأس من ظاهرة أسواق الملابس المستعملة والأحذية المستعملة، ومرحبًا كذلك بأسواق السيارات المستعملة، وهي نوعية من الأسواق التي تتواجد في العديد من دول العالم،

مكافأة مالية ضخمة ليتزوج بالثانية

يا مؤمن تصدق إن فيه حملة نسائية من بعض سيدات المجتمع، رفعت القبقاب شعارًا لها ضد دعوة الزواج بامرأة ثانية أو ثالثة، والحكاية كان سببها انتشار مطالبة عدد

جهز جيشا وميراثه تسعة دنانير

ليس عيبًا أن تبدأ حياتها نادلة في مطعم، لتنفق على دراستها للفيزياء بالجامعة، ولكن ما تلبث أن تصبح زعيمة لأقوى الأحزاب الألمانية منذ عام 2005، وهو الحزب

كيف تعيش في أمان؟

وأول ما قال رسولنا القائد: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى ويعلم يقينا أن مكارم الأخلاق العلاج الوحيد الذي لا ثاني له لتماسك بناء