الحياء يا سادة

15-8-2019 | 17:23

 

"تفاجئ (فلانة) جمهورها بإطلالة جريئة.. صور"، "داخل سيارتها.. تبرز أنوثتها.. شاهد"، "بطن مكشوف وتنورة قصيرة.. زوجة (فلان) بإطلالة جريئة في حفل.."، "شبه عارية... الصور الأولى من حفل (فلان)"، "بملابس البحر.. ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ... شاهد"، "بجلد النمر وفستان لافت وقصير... بإطلالة جريئة.. صور"!!

بهذه الأخبار وغيرها الكثير والكثير، دأبت مواقع إخبارية على عرضها، دون خوف من الجليل سبحانه، أو ضمير، أو مراعاة لقيم وعادات وأخلاق مجتمعنا، بذريعة زيادة عدد زوار تلك المواقع، واحتلالها مراكز متقدمة بين المواقع الأخرى المنافسة.

قد يرد علىَّ الكثير قائلين: "دي حرية شخصية، وانت مالك، أيوه بالفعل يوجد هذا وإلا ما كان نُشرت صورهم، وانت بتدخل على الصور وتبص ليه؟ إن الله جميل يحب الجمال، ..."، وغيرها من التعليقات التي نتميز بها -نحن المصريين- لكن ثمة أمورًا كثيرة في القضية، أولها أنني أقر بأنها حرية شخصية لأي موقع يدير سياسته التحريرية كما يراها ويعتقد ويؤمن، لكن هناك حرامًا وحلالًا تربينا عليه، وثمة أمور كثيرة مهنية تجعل هذه المواقع وأمثالها من المتنافسين، تتبوأ الصدارة واحتلال المقدمة في ارتفاع نسبة عدد زوارها، ثم هناك من الأخبار والقضايا ما هي أهم وأدعى أن تناقش وتبرز وتعرض.

ثمة خلق عظيم، جليل، في ديننا اسمه خلق الحياء، تخلينا عنه للأسف، وعن ديننا، فصرنا في ذيل الأمم ومن أدناها وأقلها شأنًا في كل شيء، بعد أن كنا في صدارتها يوم أن كنا معتصمين بديننا وأخلاقه، واتباع ما أمر به قدوتنا وأسوتنا الحسنة -صلى الله عليه وسلم- وما نهى عنه، يوم أن كنا نفخر بديننا وبعزته، يوم أن كنا بحظيرة ديننا، نتدثر بلباسه، كلية، لا نسير على سطر، ونترك سطرًا، نأخذ منه ما يرضينا ويروق لنا ولأهوائنا، ونترك وندع شياطين الأنس والجن الذين يقضّون مضاجعنا ويلبسون علينا ديننا.

جاء نبينا فخر الكون -صلى الله عليه وسلم- ليكمل ويتمم مكارم الأخلاق، لتقريره: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فكان من خلقه وخلق دينه، الحياء، الذي بات يتحسر على ندرته بالأمة -إلا من عصم ربي- وفيه يقول ربنا سبحانه: "وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ"، وفسر كثير من المفسرين "لباس التقوى" بأنه الحياء، كما أورد قرآننا بعض قصص ذوي الحياء كابنة شعيب.

وكان مما أقره لنا نبينا: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وقوله: "الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلَّا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق، والحياء شعبة مِن الإيمان"، وتأكيده الصادق: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وقوله: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه"، بل كان من جميل ولطيف خُلقه -صلى الله عليه وسلم- الحياء، كما أخبر عنه أبوسعيد الخدري: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها"، ويقول الفاروق رضي الله: "من قل حياؤه قل ورعه، ومَن قل ورعه مات قلبه"، ويقول فيه ابن عطاء: "العلم الأكبر: الهيبة والحياء، فإذا ذهبت الهيبة والحياء، لم يبق فيه خير"، والأقوال في خلق الحياء كثيرة يضيق مقامنا بها.

من تجاربي الصحفية الشخصية أنني كتبت مقالًا منذ عدة سنوات تعليقًا على ظاهرة وضع صور عارية في الصفحة الأولى بإحدى الصحف، ظنًا من رئيس ومجلس تحريرها أن بهذا سيزداد توزيع ومبيعات جريدتهما، والحق أشهد أن رئيس تحريرها استجاب بعد مقالتي، فلم أعد أرى ألبتة صورًا عارية أو خادشة بالصفحة الأولى كما كان يحدث، ولله الحمد أضحت هذه الصحيفة من المكانة الكبيرة واللائقة بمكان الآن، وصدق ربنا تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنك لن تدع شيئًا ابتغاءً الله إلا آتاك خيرًا منه".

ومع كل ما نراه بمجتمعاتنا الإسلامية من تدهور لأخلاقنا، بيد أننا نشدد على كون الأخلاق الأساس الرئيس لبناء المجتمعات الإنسانية عامة، إسلامية كانت أو غير إسلامية، يصدق ذلك قول ربنا تعالى في سورة العصر: "وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر"، من ثمة وجدنا أحد الدعاة يؤكد أن العمل الصالح المدعم بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر في مواجهة المغريات والتحديات من شأنه أن يبني مجتمعًا محصنًا لا تنال منه عوامل التردي والانحطاط، وليس ابتلاء الأمم والحضارات كامنًا في ضعف إمكاناتها المادية أو منجزاتها العلمية، إنما في قيمتها الخلقية التي تسودها وتتحلى بها.

لذا صار العود الحميد لحسن الخلق، والعض عليها بالنواجذ، مطلبًا ملحًا لأمتنا، إبرازًا لوجه الإسلام الحضاري، واسترجاعًا بها لسالف عزها وسابق مجدها، ودخول الناس في دين الله أفواجًا لما يرون من حسن معاملة المسلمين وعظيم وجميل أخلاقهم، أسوة وقدوة بنبيهم -صلى الله عليه وسلم- فالحياء يا سادة، وربنا يهدينا جميعًا!!

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

مادة إعلانية

[x]