"نساء المتعة" تثير الفتنة بين كوريا واليابان

11-8-2019 | 20:52

 

يبدو أن السنوات الكثيرة التى مرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام 1945 وحتى الآن إلى جانب العلاقات المتميزة اقتصاديا وسياسيا بين كوريا الجنوبية و اليابان لم تنجح فى إنهاء ملف ما يسمى " نساء المتعة "؛ وهو الملف الشائك شديد الحساسية بين البلدين؛ ويقصد به النساء الكوريات اللائي تم إجبارهن من قبل القوات اليابان ية خلال الحرب العالمية الثانية على أعمال السخرة وممارسة الرذيلة، وهو ما كان له تداعيات مؤلمة على المجتمع الكورى، استمرت سنوات عديدة؛ لدرجة أن كوريا أقامت متحفا تحت مسمى " نساء المتعة " لتخليد تلك الواقعة المؤلمة.

وعلى الرغم من قيام اليابان باتخاذ خطوات إيجابية لتسوية هذا الملف؛ سواء بتقديم اعتذار أو بدفع تعويضات للمتضررين من تلك الواقعة، والتى تم تسويتها تماما باتفاقية بين البلدين عام 1965، إلا أن ما حدث مطلع العام الحالى أعاد البلدين إلى المربع رقم صفر فى ذلك الملف الشائك- والذى ينظر إليه الكوريون على أنه يمثل انتهاكا لكرامتهم، بينما ينظر إليه اليابان يون على أن ما حدث كان تجاوزات أثناء الحرب، وتم تسويتها تماما برضاء الطرفين - حيث قضت المحكمة العليا فى كوريا الجنوبية بتعويضات مالية ضد عدد من الشركات اليابان ية؛ وذلك بسبب إجبار العمالة الكورية على أعمال السخرة خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما أثار ضجة كبيرة فى البلدين على حد سواء، ويبدو أن العلاقات المتميزة بين طوكيو وسول -خاصة على المستوى الاقتصادى- لم تشفع لهما؛ حيث تحول الأمر إلى حرب تكسير عظام بين البلدين.

فقد اتخذت اليابان خطوات تصعيدية ضد كوريا بمنع تصدير مواد ومنتجات يابانية تستخدم فى صناعة الإلكترونيات، وهو ما لخصه "أن كي – هيون" نائب رئيس الجمعية الكورية لصناعة نصف الموصلات بقوله: "إن كوريا هي الأولى عالميا فى إنتاج الشرائح، و اليابان هى الأولى عالميا فى إنتاج المواد الأساسية لصنع الشرائح، ومع هذا الخلاف تخسر اليابان وكوريا -على حد سواء- أفضل شريك لها، ولن تجد بديلا جيدا لفترة طويلة".

ولم تتوقف الخطوات التصعيدية من قبل اليابان عند ذلك الحد؛ بل اتخذت اليابان خطوة أكثر جرأة بشطب كوريا الجنوبية من قائمة الشركاء التجاريين الموثوق بهم؛ وهو ما دفع الرئيس الكوري الجنوبي "مون جاى إن" إلى القول بأن ما يحدث مع اليابان هو "وضع طارئ غير مسبوق"؛ بينما أوضح رئيس الوزراء اليابان ى شينزو آبى أن السبب الرئيسي لتصاعد التوترات بين البلدين هو فقدان الثقة بأحكام المحاكم التى تأمر الشركات اليابان ية بتعويض الكوريين عن أعمال السخرة خلال الحرب العالمية الثانية.

والمثير فى تلك القضية الاقتصادية الهامة هو الموقف الأمريكي الذى لم يتحرك حتى الآن بالصورة المرجوة منه؛ خاصة أن واشنطن تعتبر حليفا إستراتيجيا لكل من طوكيو وسول؛ بل إن التواجد الأمريكي سواء الاقتصادي أو العسكري فى البلدين يمكن أن يحسم تلك القضية سريعا؛ ولكن يبدو أن واشنطن – كالعادة – تبحث عن الاستفادة القصوى من أي خلافات بين الدول حتى لو كانت حليفة لها؛ بغض النظر عن الخسائر التي سوف تتعرض لها تلك الدول، وهو ما يؤكده الدور المتواضع الذي تلعبه الإدارة الأمريكية حتى الآن فى تلك الحرب الاقتصادية بين كوريا و اليابان .

والمؤكد أن الصين – الاقتصاد الثانى على مستوى العالم – تراقب ما يحدث عن كثب؛ بل من الممكن أن يتحول الوضع كاملا لصالحها؛ حيث ستبحث الشركات الكورية المتضررة عن بديل للمنتجات اليابان ية، وربما تكون الأسواق الصينية هى المنقذ لها فى ظل استمرار الإجراءات التصعيدية من جانب اليابان ضد كوريا، واتخاذ واشنطن موقف "المتفرج"، وتزايد الضغوط الشعبية على الرئيس الكوري الجنوبي بسبب قضية " نساء المتعة "؛ والتي قد تصبح سببا رئيسيا في استمرار الحرب التجارية بين كوريا و اليابان لفترة طويلة.
telsonoty@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

كورونا وإفريقيا

لا شك أن الدول الأفريقية ليست بمنأى عن لدغة فيروس كورونا على الرغم من العدد القليل للإصابات بها حتى الان حيث بلغت الإصابات أكثر من 16 ألف أفريقي ووفاة

المصير المشترك للبشرية

لا شك أن ما يشهده العالم الآن من تداعيات خطيرة بسبب فيروس كورونا المستجد، وحالة الرعب والفزع المنتشرة في كافة الدول نتيجة الانتشار السريع وغير المسبوق

"كورونا" وثقافة الشعب الصيني

منذ اندلاع أزمة فيروس "كورونا" الشهر الماضي، ولم تتوقف أنفاس العالم كله عن ملاحقة أخبار ذلك الفيروس اللعين؛ الذي بات الهاجس الأساسي لمنظمة الصحة العالمية

إفريقيا التي نريدها

لا شك أن ما شهدته القارة الإفريقية على مدار العام الحالي - عام رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي - أسهم وبصورة كبيرة في تغيير الصورة الذهنية عن القارة السمراء

إفريقيا في "قلب" القاهرة

إفريقيا في "قلب" القاهرة

المنسيون في إفريقيا

على مدار أربعة أيام من المناقشات والحوارات الجادة في العاصمة الزامبية الجميلة لوساكا حضرت فعاليات مؤتمر وزراء الاتحاد الإفريقي المسئولين عن التسجيل المدني وإدارة الهوية والصحة والمعلومات والتكنولوجيا تحت عنوان "التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية في إفريقيا"

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]