محمد سليم شوشة يكتب: في فمي لؤلؤة.. عالم الألغاز والغوص والتحولات

12-8-2019 | 10:43

محمد سليم شوشة

 

رواية "في فمي لؤلؤة" للروائية والشاعرة العربية ميسون صقر الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة 2017 والتي كانت ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد في تقديرنا هي واحدة من الروايات العربية المميزة والثرية إلى حد بعيد، وتتمثل هذه الرواية الشكل الجديد والتقاليد المستحدثة لفن الرواية. فخطاب الرواية يشتغل على عالم يبدو على قدر كبير من الخصوصية وهو عالم الغوص والبحث عن اللؤلؤ في الخليج العربي، والحقيقة أن الرواية قدمت هذا العالم بتفاصيله ومفرداته وتقاليده شديدة الخصوصية، حتى ليشعر القارئ أنه واحد من المشاركين في رحلات الغوص بمفاجآتها ومعاناتها وقسوتها، ويصبح متماهيا إلى حد بعيد مع هذا العالم وشخوصه وينتقل إلى ذلك العصر انتقالا تاما نفسيا وماديا فيصبح معاينا للأشياء والموجودات ويعرف تفاصيل السفينة ويصادق أفرادها ويصبح واحدا منهم. وتحدي الإيهام والإقناع في تقديرنا يبقى هو التحدي الجمالي الأهم بالنسبة لهذا الفن وهدفه الأساسي الناتج بشكل مباشر عن قوة الموهبة في الحكي.


تستثمر الرواية تقنيات سردية جديدة بقدر كبير من البراعة مثل تقنية تعدد الأصوات، حيث تفيد منها في أن يكون بالخطاب الروائي تدرجات وتفاوتات للوعي داخل البناء السردي، فالرواية تبدأ بصوت الجدة وحكاياتها ثم بعد ذلك نجد نحتا في الحكاية عبر أصوات أخرى تبحث وتنقّب وتفتش عن السر أو اللغز أو تتتبّع بقية خيوط الحكاية، فنجد على سبيل التمثيل صوت وليم المستشرق الإنجليزي أو الباحث المكلف من قبل البعثة الإنجليزية برصد رحلات الغوص عن اللؤلؤ في الخليج والكتابة عنها بشكل تفصيلي دقيق، وعبر وعي وليم المختلف والأعلى درجة من غيره وعبر رسائله إلى المعتمد البريطاني في الإمارة أو عبر رسائله إلى صديقه جيرارد نكون أكثر إحاطة وإدراكا لبعض التفاصيل التي ربما لا يرصدها غيره من الشخصيات الأخرى الأقل وعيا أو الأقل معرفة، وليم مختلف عن بقية أفراد السفينة من حيث ثقافته، وتفرغه وطبيعة مهمته ولهذا هو الأنسب لدور المراقب، والقادر على الخروج عن عالم السفينة المحدود فيصنع نوعا من الربط لعالم الخليج بأماكن أخرى للتواجد الإنجليزي كما نجد في صوره التي التقطها في الهند، وبخاصة صوره الفوتوجرافية التي التقطها لبعض النسوة الجميلات وأثر هذه الصور على رجال السفينة المنعزلين في مياه البحر والمحرومين المتشوقين للرجوع إلى الشاطئ حيث نساؤهم ينتظرنهم.

وإلى جانب صوت وليم ورسائله ومدوناته نجد كذلك صوت الباحثة شمسة الشخصية الرئيسة في الرواية أو صاحبة البحث في هذا العالم عبر الدراسة التي تلاقي رفضا من بقية الأطراف، فتبدو على قدر من الحماسة والإصرار يصنع منها نمطا بطوليا ينحاز للحقيقة والمعرفة وينتمي بدرجة كبيرة للماضي وللتاريخ وتستمد منه زاوية للمعرفة والوعي بالذات أو الوعي بالآخر، وصوت شمسة كذلك مختلف في الوعي وزاوية الرؤية، بل مختلفة كذلك في لغتها التي هي نفسها لا تسير على نمط واحد.

ولدينا كذلك صوت مروة صديقتها التي تدوِّن بعض الأشياء في يومياتها حول شمسة وبحثها، ومن تعدد هذه الأصوات كذلك تنتج درجات متفاوتة في نسيج خطاب الرواية تخص لغة السرد التي لا تأتي على وتيرة واحدة أو إيقاع واحد، بل تأتي لغة السرد على قدر كبيرة من التنوع والتفاوت النابع من اختلاف مصدر الصوت وهو ما يزيد من جماليات الرواية ويجعلها على قدر من التعدد والتراكب الذي يكون في الحياة، فتشبه الرواية الحياة في عفويتها وتنوعها. لغة الجدة أو طريقتها تختلف كثيرا عن لغة رسائل وليم التي يستطيع خطاب الرواية بدرجة كبيرة من البراعة أن يجسدها كما لو كانت بالفعل مترجمة من الإنجليزية إلى العربية، وهاتان اللغتان تختلفان كثيرا عن لغة القصة الإطار التي هي قصة شمسة مع بحثها وتفاصيل حياتها الخاصة وحياتها البحثية والدراسية وقصصها مع صديقاتها أو أستاذها في الجامعة الذي تبدو على علاقة من نوع خاص به.

هذا التنوع والتفاوت في اللغة يكسر الرتابة ويجعل الخطاب على قدر كبير من البراعة في تمثل التنوع الذهني والنفسي وتفاوت الوعي لدى الشخوص، ويجعل نسيج الرواية متمثلا لزوايا رؤية عديدة وعالم الرواية يصبح وفق هذا النحو مرصودا عبر دوائر رصد تتسم بالديناميكية وكأننا نملك أنواعا من الكاميرات المرنة أو المتحركة أو القادرة على توسيع زاوية الرؤية وتضييقها بحسب الحاجة.

وبناء على النقطة السابقة نجد أن هناك نوعا من الرصد البانورامي لعالم البحر والطبيعة ومن زاوية متسعة ترصد الحالة الكونية في البحر بامتداد مياهه وطبيعة الطقس والكون المفتوح ثم يحدث بعد ذلك تحول إلى المشهد المحدود أو الأضيق الذي يتحرك فيه البشر على السفينة لأداء أعمالهم وممارسة ما يكلفون به. فتكون هناك تنوعات في المشاهد وطرائق تشكيلها وفق استراتيجية تبدو سينمائية على قدر كبير من الوعي الفني والجمالي، بالإضافة إلى استراتيجيات أخرى غير السينمائية مثل فكرة التدوين أو كتابة التاريخ ورصده، أو تجسيد الطبقات الشعبية والتمثل الإنساني والفولكلوري للخليج ومهنه والتنقيب في تاريخه أو كتابة التاريخ بوجهات نظر مختلفة تحاول أن تبث رؤيتها عن الحرب وعن الاحتلال وعن الآخر وعن الثروة والنفط والعدالة الاجتماعية بشكل فيه قدر كبير من الهمس والبعد عن المباشرة.

عالم رواية في فمي لؤلؤة يبدو على قدر كبير من النبض والحيوية والصدق، لأن الشخصيات دائما ما تأتي محملة بميراث ثقيل من المشاعر والآلام والأحلام والطموح وذكريات الماضي التي تطاردهم. شخصيات تأتي محملة بكفاحها ووجعها وديونها وفقرها وقصص حبها ومشاعرها وخوفها من قلة الرزق أو خوفها من الإخفاق في الحب، خوفها حيال الصيد واللؤلؤ وخوفها من طمع البحار أو مالك السفينة ورب العمل وسخرته وصراع بعضهم معه وغيرها من التفاصيل الكثيرة التي تجعل هذه الشخصيات مجسدة بأبعادها الداخلية والخارجية ويكتمل تكوينها على هذا النحو الذي يجعل القارئ أكثر تفاعلا معها وأكثر تصديقا لها.

في نسيج هذه الرواية تتعدد البواعث والدوافع ومصادر التشويق، فنجد هناك قصص الحب والخيانة وهذه التشكلات العاطفية التي تجاور الطموح إلى المال أو الرغبة في تغيير الوضع الاجتماعي، كما هناك كذلك مواضع الصراع الشديد الذي يخلق أزمات وجرائم واعتداد وتبدو الشخصيات في هذا العالم الحركي على درجة عالية من التوتر ومشحونة بقدر من التناقضات وتعارض المصالح وبخاصة في مجتمع السفينة الذي يضج بالحركة والصراع وهو ما يجعل الرواية على قدر كبير من التشويق ويبقى أفق القراءة فيها مفتوحا بشكل دائم على مفاجآت أو تحولات عديدة، ولعل الفاعل الأكبر في صنع هذا التشويق هو الخطوط الطولية الثلاثة التي تركض وراء ثلاث ألغاز، الأول خاص بالرغبة في نيل الحبيب أو الحبيبة أي البحث عن الحب.

والخط الثاني البحث عن اللؤلؤ أو اللؤلؤة الثمينة المفقودة التي تصنع من الرواية شكلا بوليسيا أو لغزا في ركضها وتحولها من يد إلى أخرى حتى ليصبح المتلقي متشوقا إلى معرفة مصير هذه اللؤلؤة الثمينة ذات التاريخ البعيد والتي لا تقدّر بثمن ويريد معرفة في أي يد ستستقر أم ستكون من نصيب البحر مرة أخرى، حيث يتشكل البحر هو الآخر بصورة تشخيصية تجعل منه بطلا أو طرفا في الصراع مع الشخصيات يتخطف الرجال ويسرق الأرواح في سبيل التنازل عن بعض لؤلؤه.

والخط الثالث من خطوط البحث وتشكيل هذه الاستراتيجية البوليسية يتمثل في كشف لغز المختفين والمقتولين والغائبين الذين يمكن أن يعودوا مرة أخرى، وبخاصة شخصيات خلفان الشاعر ومرهون الغواص الذي يختفي هو الآخر بشكل غامض وثمة من ينتظرهما ويبحث عن حقيقتهما أو دون بحث من أحد، فيبقى عالم الرواية مفتوحا على عودة أي من الغائبين وظهوره مرة أخرى، وفي هذا مصدر آخر من مصادر التشويق والترقب والانتظار، فانتظار الغائبين مثل صيد اللؤلؤ والحصول عليه أحيانا، والحب مثل هذه اللؤلؤة الكبيرة التي يركض الجميع وراءها بينما هي في رحلة دائمة من يد لأخرى.

ومن الأبعاد الجمالية المهمة كذلك في رواية في فمي لؤلؤة قابليتها للقراءة بشكل رمزي، فعالم السفينة تحديدا قابل لأن يكون منفتحا دلاليا بحيث يصبح متجاوزا لطبيعته المحدودة بوصفها مجرد سفينة للبحث عن اللؤلؤ وتبدو أقرب لصورة اختزالية أو رمزية لمجتمع كامل بكافة تنوعاته واتجاهاته من الترتيب في السلطة أو التفاوت والتعارض في المصالح وتنوع الاتجاهات الأيديولوجية وموقفها من القيادة في هذا المجتمع، فكل شخصية تبدو رمزا لطبقة أو فئة أو اتجاه بعينه، فالنوخذة أو ربان السفينة ومالكها يبدو أقرب للحاكم ومسعود مساعده وأقربهم له يبدو ممثلا للسلطة الدينية ومساعدا للحاكم ومؤيده ومستشاره، يبرر كافة الظلم والقسوة ثم في أوقات أخرى يتحول لأن يكون صوت العقل والرحمة، وكذلك بقية الشخصيات وبخاصة خلفان الذي يبدو ممثلا لدور الفن والمثقفين بما يمثل من مصادر للبهجة والنقاء والمشاعر المرهفة وقبوله من الكافة ما عدا القيادة والسلطة الدينية. والحقيقة أن هذا الطابع الرمزي في الرواية ممتد في كثير من تفاصيلها وعناصرها ويمنحها وجها مهما من وجوه الثراء الأدبي لأنه يجعل القارئ مشاركا برأيه ووجهة نظره وحاضرا عبر دور تأويلي يتجاوز طبيعة الحكاية المباشرة بأحداثها الظاهرة إلى مستوى أعمق وأبعد.

الرواية كذلك تمثل طاقة سياحية في المكان والتاريخ والتحول الحضاري والاجتماعي وترصد التطورات التي مرت على هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية وما كان فيها من صراع داخلي مع بعضها أو خارجي مع المحتلين والطامعين من القوى العالمية. كما أن الرواية كذلك في تقديرنا تمثل وجها غنائيا خاصا، وهو نابع من طبيعة لغة السرد في الرواية وقدرة خطابها كله على أن يبدو أقرب إلى معزوفة أو لحنا للوجع والفقد والفراق وتتشكل هذه الطبيعة الغنائية عبر لغة شعرية قادرة على اقتناص هذه الحالات العاطفية من الحزن والفقد والألم والطموح والحب والبحث عن الضائع أو انتظار عودته. كما أن بها قدرة فنية واضحة على توظيف الأغاني والأشعار والأهازيج وكافة أشكال الفنون الشعبية الخاصة بالغوص أو السفر والبحر في هذه المنطقة وجعلها تضفي على عالم الرواية مزيدا من النبض والصدق والطابع الإنساني. والحقيقة أنها رواية ثرية وتحتاج إلى قراءة أطول وبحث أعمق لاستجلاء ما تجسد فيها من الجماليات والقيم الدلالية.

الأكثر قراءة