تعرف على أسرار وأساطير احتفالات الصينيين بعيد الحب وعلاقتها بالفراعنة|صور

10-8-2019 | 10:34

احتفالات الصينيين بعيد الحب

 

بكين – محمود سعد دياب

مثلما كان المصريون القدماء يقدرون عاطفة الحب، ويعتبرونها مشاعر إنسانية سامية، سار الصين يون في قديم الزمان نفس الدرب ولكن بطريقتهم الخاصة، وتروي الأساطير حكايات الحب المثيرة لدى كل من الطرفين والتي يتم إحياؤها كل عام في مصر و الصين لكن في توقيتات مختلفة، كلها تخضع لتقديرات فلكية مرتبطة بالتقويم الشمسي أو القمري، ومدته 24 يومًا، الذي كان يستخدم أصلا في تنظيم عملية الزراعة ما يؤكد ارتباط الحضارتين بالزراعة بشكل أساسي.


تصادف هذه الأيام بداية الشهر القمري السابع، في التقويم الصين ي القديم، حيث يكون الطقس دافئًا ورائحة الأعشاب والورود تفوح وتزكم الأنوف، وفيها يحتفل الصين يون ب عيد الحب الصين ي التقليدي "تشي شي" أو "QiXi"، الذي يأتي دائما في مطلع شهر أغسطس، فيما يحتفل المصريون ب عيد الحب منذ قديم الزمان يوم 4 نوفمبر، وهما عيدان يختلفان عن عيد الفلانتين الذي يحتفل به الغربيون يوم 14 فبراير من كل عام، حيث ضجت الشوارع والمتنزهات الصين ية بعدد هائل من المحبين رجال وسيدات، خرجوا للاحتفال بهذا اليوم وقدم كل منهم للآخر هدية معها باقة ورود يعبر فيها عن مدى حبه، وهو العيد الذي بدأ من عشرات المئات من السنين حتى الآن.

الأسطورة المصرية
الباحث الأثري المصري أحمد عامر، قال إن المصريين القدماء عرفوا الحب وكان له مكانة عظيمة في قلوبهم، وكانوا يعبرون عنه بطرق عديدة، وخصصوا يومًا للاحتفال به في 4 نوفمبر أسموه " عيد الحب الفرعوني"، مشيرًا إلى أن العيد ارتبط بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة، وأن من أروع ما قاله الفراعنة عن الحب بأنه، "هبة السماء تسكبه الطبيعة في كأس الحياة تلطيفًا لمذاقها المرير".

وأشار إلى أن التعبير عن الحب ظهر في عهد الفراعنة عن طريق صورهم ونقوشهم وتماثيلهم التي خلدتها الأيام، وأن من أشهر قصص الحب قصة "إيزيس" و"أوزوريس" حيث أحبت "إيزيس" زوجها حبًا عظيمًا وأخلصت له بعد قتله على يد أخيه "ست"، وقصة "رمسيس ونفرتاري" التي نُقشت على صور جدران معبد نفرتاري بأبوسمبل.

وكشف الباحث المصري عن أنه ظهرت العديد من الأساطير حول هذه العاطفة الإنسانية السامية في زمن المصريون القدماء، إذ أظهرت البرديات أن الفراعنة كانوا يتهادون بالورود حيث كان للزهور مكانة كبيرة في نفوسهم فلقد عرفوا ذلك قبل آلاف السنين، وكانت زهرة اللوتس هي رمز البلاد.

الأسطورة الصين ية
أسطورة الحب الصين ية مختلفة بعض الشيء، أبطالها هما النساجة القادمة من السماء والراعي الذي يعيش بين البشر، حيث تذكر كتب التاريخ الصين ية، أن والدا الراعي توفيا في وقت مبكر، وكان يعاني سوء معاملة زوجة أخيه الأكبر، وكانت البقرة العجوز هي رفيقته الوحيدة، وفي يوم ما، نزلت النساجة والجنيات وسط البشر، للاستحمام في النهر، وبمساعدة البقرة العجوز استطاع الراعي أن يتعرف على النساجة، وتبادل الاثنان الحب، وبعد ذلك انسلت النساجة لعالم البشر، لتصبح زوجة الراعي.

وبعد أن تزوج الراعي والنساجة، كان هو فلاح يمارس مهنة الزراعة وهي تقوم بصناعة النسيج، وكانت مشاعر حبهم عميقة، وأنجبوا طفلين ولد وبنت، وكانت حياة الأسرة غاية في السعادة، وبعد ذلك، عندما أشرفت البقرة العجوز على الموت، أوصت الراعي أن يحتفظ بجلدها، وعندما تقابله أي مشكلة عليه أن يفرك الجلد طلبا للمساعدة، وبعد موت البقرة العجوز، قام الزوجان بسلخ جلد البقرة، ودفنوا الجسد في سفح الجبل.

وبعد أن اكتشف الإمبراطور السماوي يوي هوانج والملكة السماوية وانج مو، زواج الراعي والنساجة، غضبوا غضبة عظيمة، ونزلت الملكة لعالم البشر، وأجبرت النساجة على العودة إلى السماء، وعندما عاد الراعي ولم يجد النساجة، أخذ يفرك جلد البقرة، وجذب ولديه، واعتلوا السحاب وامتطوا الضباب لملاحقة النساجة، وعندما أصبحت النساجة على مرمي البصر، نزعت الملكة الأم دبوس شعرها الذهبي وألقته، لتثير الأمواج المتلاطمة لنهر السماء، وتفرق بين الراعي والنساجة، ولم يعد أمام الراعي والنساجة سوى الدموع تغرق عينيهم، وتبادل النظرات عبر البرين، ومع مرور الوقت، لم يستطع الإمبراطور والملكة الأم كبح جماح عواطفهم الجياشة، فسمحوا لهما في اليوم السابع للشهر القمري السابع باللقاء مرة واحدة، وطبقا للأسطورة، فكل يوم سابع من الشهر القمري السابع، من كل عام، يطير الطيور من عالم البشر إلى السماء، وتقيم جسر العقعق عبر النهر الفضي كي يلتقي الراعي والنساجة.

وتقول الأسطورة، إنه في عمق ليلة هذا اليوم، يتمكن البشر من سماع صوت همس كلمات الحب بين الراعي والنساجة، في زراعات العنب أو غيرها من حقول الفاكهة، وهي الحكاية المشهورة أكثر في الأرياف، ويحتفل كل عام المواطنين سواء في الريف أو الحضر بهذا العيد، حيث يحكي الآباء والأجداد للأحفاد والأبناء تلك أسطورة الراعي والنساجة.

احتفالات إمبراطورية
في قصر الصيف أقصى غرب العاصمة بكين ، اعتاد الأباطرة الصين يون على الاحتفال بعيد "تشي شي"، في مطلع أغسطس من كل عام الموافق اليوم السابع من الشهر السابع القمري، وهناك تابعت "بوابة الأهرام" تفاصيل الاحتفال الذي تقيمه حكومة بلدية بكين كل عام، إحياءًا لما كان يقوم به الأباطرة في قديم الزمان، حيث شهدت الاحتفالات عروض أوبرالية قام فيها مطرب ومطربة بالغناء والرقص مرتديان الزي الصين ي التقليدي القديم، وعبرت الأغاني عما كان يقوله الحبيب لحبيبته في قديم الزمان من أشعار تعبر عن مدى حبه.

ووفقًا لكتب التاريخ، فقد بدأ الاحتفال بهذا العيد منذ عهد أسرة هان (206 ق.م –220 م)، وسجل في الوثائق التاريخية في عهد كل من أسرة جين الشرقية (317-420)، وعهد أسرة تانج (618-907)، حيث كان يقيم الإمبراطور تانج تاي تسونج مع محظيته المحبوبة، مأدبة عشاء في القصر في ليلة عيد "تشي تشي" من كل سنة، وفي عهد أسرة سونج (960-1279) وعهد أسرة يوان (1206-1368) كانت يشهد قرب احتفالات بعيد تسي سي في العاصمة ازدحام الأسواق، مما يدل على مدى شعبية وحب الصين يين القدماء لهذا العيد.

شوارع المدن الصين ية تكون مزدحمة ليلا في يوم عيد "تشي شي"، بما في ذلك المولات والمطاعم ودور السينما وأماكن المرح مثل الملاهي الليلية وخلافه، لكن محلات بيع الزهور والهدايا هي الرابح الأكبر في ذلك اليوم، مثلما هو الحال في مصر في عيد الحب ، ويحرص الصين يون على المشاركة من جميع الأعمار، فيما يحتفل الشباب بالحب أيضًا يوم 5 مايو من كل عام وذلك لأن طريقة نطق ذلك اليوم في اللغة الصين ية هي نفسها كلمة "أنا أحبك"، لكن يبقى يوم الحب التقليدي هو الذي يجمع كل الصين يين.

هدايا الحب تقليدية
هدايا الحب كانت موجودة في الصين منذ القدم، وقد عبرت الكثير من الأشعار عن تبادل الهدايا المعبرة عن الحب بين الحبيب والحبيبة، واختيار الهدية التي تعبر عن المشاعر الجياشة والعميقة، مختلف فإن الصين يين يهتمون بالتعبير عن العاطفة، ولا يهتمون بقيمة الهدية المادية، فقطعة قماشية من اليشم أو كيس من العطر أو حتى فاكهة يمكنها أن تعبر عما يخالجهم من مشاعر.

فرصة لالتقاء المحبين
عيد "تشي شي" فرصة للقاء الأحبة ممن فرقتهم ظروف العمل، حيث نشرت وكالة أنباء "شينخوا"، حكاية الشاب ليو في تشنج الذي اتخذ من العيد فرصة لكي يلتئم شمله مع محبوبته ماو يو شين، التي تفصلها عنه مسافة تتجاوز 2000 كيلومتر.

الرومانسية لها مردود اقتصادي
في عيد الحب الصين ي "تشي شي"، يرهق التجار أنفسهم بالتفكير في كيفية اغتنام هذه الفرصة التجارية لكسب أرباح أكثر، ما يجعل "الرومانسية" الورقة الرابحة لجني المال، حيث أطلقت المراكز التجارية في الصين أنشطة ترويجية.

نشرت "جريدة الشعب اليومية الصين ية"، تصريحات عن المسئول عن مركز تجاري بمدينة أوروموتشي عاصمة منطقة شينجيانج، حيث قال إن المركز نظم أنشطة احتفالية في هذا العيد، مثل إطلاق المنتجات ذات الصلة بالعيد واليانصيب وتقديم خصومات للمجوهرات وغيرها، فيما قال تشن جون، أحد مسئولي مركز تسوق بمدينة فوتشو، إن المركز نظم عروض موسيقية وضوئية وعروض طائرات بدون طيار، فضلا عن أنشطة ترفيهية وخصومات، وبرامج احتفالية أخرى.

فيما قدمت العديد من المراكز التجارية هذا العام، خصومات على الشوكولاتة ومستحضرات التجميل والمجوهرات، وهي من بين الهدايا المحبذة في عيد "تشي شي"، وقدمت متاجر السيارات ومدارس تعليم قيادة السيارات وشركات العقارات وغيرها تخفيضات أيضًا، فيما شهدت أسعار الورود التي يفضلها العشاق ارتفاعًا كبيرًا خلال هذه المناسبة، حيث ارتفع سعر الجملة بنسبة 30% إلى 50% وفقا لصاحب محل لبيع الزهور، أدلى بتلك التصريحات لوكالة "شينخوا".

كما ساهم عيد "تشي شي" هذا العام، في ارتفاع عدد الحجوزات الفندقية أيضا، حيث أظهرت الأرقام أن حجوزات الفنادق في العيد الجاري قد تضاعفت مرتين تقريبا مقارنة بالعام الماضي، لا سيما أن الغرف المتميزة بعناصر الحب التي أطلقتها الكثير من الفنادق للعشاق تلقى ترحيبًا كبيرًا منهم، خصوصًا أن المحبين لا يهتمون بارتفاع السعر إذا كانت حبيبته سعيدة.

قطاع السياحة كان له نصيب من الاستفادة من عيد "تشي شي"، حيث افتتحت حكومة منطقة شينجيانج شمال غرب البلاد، "بلدة الحب"، بحي دابانتشنج، والتي تتضمن "شارع اللقاءات" و"زقاق يد بيد" و"شجرة الشوق" وغيرها من معالم الحب أمام الزوار بمناسبة العيد، كما نظمت حفل زفاف جماعيا.

لم تقتصر الاحتفالات على الشكل التقليدي، إنما استفاد المحبين من الثورة التكنولوجية، وعجت مواقع التسوق الإليكتروني مثل "علي باي" و"تاوباو"، بملايين الزوار، بهدف شراء الهدايا، وقدمت إدارات تلك المواقع تخفيضات وخصومات متعددة، شملت الشحن المجاني للطرود وغيرها من الوسائل لتلبية الاحتياجات الرومانسية للمستهلكين، مع وضع خيارات شراء الزهور والخواتم واللعب والملابس وغيرها من هدايا العيد في أماكن بارزة.

وزارة السياحة المصرية، بإمكانها استغلال تاريخ المصريين القدماء الثري، وإقامة فعاليات سياحية تحت سفح الأهرامات، أو في المعابد التي تشير نقوشها إلى مشاعر الحب والرومانسية في يوم عيد الحب المصري 4 نوفمبر من كل عام، وبذلك تجتذب عدد كبير من السياح قد يضاهي عدد السياح الذين يحرصون على متابعة ظاهرة تعامد الشمس على وجه الملك رمسيس الثاني في معبد أبو سمبل.


احتفالات الصين يين ب عيد الحب


احتفالات الصين يين ب عيد الحب