عرفة.. يوم فرح في الأرض والسماء

9-8-2019 | 19:43

جبل عرفة - أرشيفية

 

غادة بهنسي

يوم عرفة هو يوم فرح عظيم، ففي كل لحظة فيه نحظى بآلاف الرحمات والمغفرة، ونفوز بالأجر والثواب العظيم من العلي القدير، هو يوم يغفر الله فيه الخطايا والذنوب ويعتق عباده من النار، وهو يوم يقف فيه النّاس جميعا على صعيد واحد كلهم سواء متجردين من لباس الدنيا، متمسكين بالإيمان والطاعة، فكأنهم في يوم الحشر، متجردين من كلّ شيء أمام عظمة الله عزّ وجلّ، أما إبليس فلا يُرى أذل وأصغر وأحقر منه في يوم عرفة .


وفي يوم عرفة، الكل يرفع يديه بالدعاء يرجو الرحمة والمغفرة من الله العظيم الملك، فالكلّ عبيد له عزّ وجلّ، يطمعون أن يقبل تضرعهم ويباهي بهم ملائكته فرحة بإيمانهم وطاعتهم له سبحانه.

عن يوم عرفة وفضله

روى ابن عبد البر بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وكادت الشمس أن تؤوب، فقال: (يا بلال! أنصت لي الناس) فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصت الناس، فقال: (معاشر الناس، أتاني جبريل آنفًا، فاقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات) فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاص، فقال: (هذا لكم، ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة) فقال عمر رضي الله عنه: كثر خير الله وطاب .)

وعند أحمد في "مسنده" وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي هريرة مرفوعاً : (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ).

وروى ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى والبيهقي عن جابر رضي الله عنه، مرفوعاً أيضاً: (ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة).

وفي مصنف عبد الرزاق من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في حديث الرجلين اللَّذين جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألانه عن أمر دينهم، وكان من جوابه لهما: (وأما وقوفك بعرفة، فإن الله تبارك وتعالى ينـزل إلى سماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شعثًا غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوبًا، غسلها الله عنك).

وعند ابن عبد البر في "تمهيده" من رواية أنس رضي الله عنه، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف قاعداً، فأتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، فذكر حديثاً فيه طول، وفيه: (وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً سُفْعاً، يرجون رحمتي ومغفرتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزَبَد البحر، لغفرتُها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له).

موقع جبل عرفات

يقع جبل عرفات في مكة المكرمة على الطريق الواصل إلى مدينة الطائف، ويبعد عن مكة من جهة الشرق بحوالي اثنتي وعشرين كيلو مترا، وعن منى عشر كيلو متر وعن مزدلفة ست كيلو متر، وهو جبل منبسط يوجد فيه جبل الرحمة، ومحاط بسلسلة من الجبال ومن جهة مسجد نمرة يوجد وادي عرنة وهو الحد الفاصل بينه وبين الحرم.

سبب تسميته بجبل عرفات

يقول بعض الفقهاء، إنّ اسم جبل عرفات له حكاية قديمة حينما كان جبريل يُري إبراهيم عليه السلام المشاعر الحرام وكان يقول : هذا كذا وهذا كذا هل عرفت؟ هلا عرفت؟ فيقول إبراهيم عليه السلام : عرفت عرفت .

والبعض الآخر يقول إنّه سمي بعرفات لالتقاء آدم عليه السلام بزوجته بعدما هبطا من الجنة فتعارفا عليه .

وهناك من يقول إنّه سمي بجبل عرفات لأنّ الناس يتعارفون عليه يوم الحج الأكبر.

الوقوف على جبل الرحمة

وتعتبر وقفة عرفات هي الوقوف على جبل عرفات أو أي مكان في عرفة يوم عرفة، ويكون ذلك في التاسع من شهر ذي الحجة، ويُعد هذا اليوم من أفضل الأيام لدى المسلمين، فالوقوف بعرفات أهم ركن من أركان الحج، فمع شروق شمس يوم التاسع من ذي الحجة يخرج الحاج من منى، ويتجه إلى عرفات من أجل الوقف به، ويكون الوقوف داخل حدود عرفات، وإن لم يقف الحاج هناك فلا يصح حجه، وعن ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الحجُّ عرفةُ، فمن جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ، ليلةَ جَمعٍ، فقد تمَّ حجُّهُ) – صحيح .

وقد تمّ تحديد المساحة التي يسمح للحجاج بالوقوف فيها، فقامت الحكومة السعودية بوضع علاماتٍ بارزةٍ تبيّن هذه الحدود لإرشاد المسلمين إلى المكان المحدد، فيصعد الحجيج إلى جبل عرفاتٍ في التاسع من شهر ذي الحجة، بحيث يصلون إليه عند الظهر فيصلّون صلاتي الظهر والعصر قَصراً وجمع تقديم، ويبقون حتى غروب الشمس يكثرون من الدعاء والاستغفار وقراءة القرآن .

كما يوجد بجبل عرفاتٍ مسجد نمرةٍ أو مسجد النبي إبراهيم، وهناك صلّى النبيّ وخطب بالمسلمين خطبة الوداع .

صيام يوم عرفة

صيام يوم عرفة لغير الحاج يرفع من درجاته ، ويزيد حسناته، ويُكفر سيئاته، وبيّن رسولنا الكريم فضل صيامه حيث قال: ((صيامُ يومِ عَرَفةَ، أحتسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنَة التي قَبْلَه، والسَّنةَ التي بَعْدَه))، كما أجمع العلماء على أنّ فضل صوم يوم عرفة لا يُعادله أيّ يوم آخر، ففيه تكفير سنة سابقة، وسنة لاحقة.

فضائل يوم عرفة

يتميز يوم عرفة عن باقي الأيام بعدد من الفضائل، منها :

نزل في ذلك اليوم قول الله سبحانه وتعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " أي أن رسالة النبي اكتملت في هذا اليوم وبلغنا- صلوات الله وسلامه عليه - ماكلفه به ربه ووصل لنا ديننا العظيم الإسلام .

كذلك فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بيوم عرفة، وهذا إنْ دلَّ على شيء، فإنَّما يدل على أنَّ العظيم لا يُقسم إلّا بعظيم، حيث قال الله سبحانه وتعالى: " وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ" - البروج، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اليوم الموعود : يوم القيامة، واليوم المشهود، يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة) رواه الترمذي وحسنه الألباني .

كما أنَّ يوم عرفة هو الوتر، إذ يقول الله تعالى في محكم تنزيله: " وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر"، وفي هذا

قال جابر بن عبد الله : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "والفجر وليال عشر " - قال : هو الصبح ، وعشر النحر، والوتر يوم عرفة ، والشفع : يوم النحر .

وقال : حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين . فيوم عرفة وتر، لأنه تاسعها، ويوم النحر شفع، لأنه عاشرها .

وفي هذا اليوم العظيم يستجيب الله تعالى دعاء عباده ويطهرهم من ذنوبهم فيعودوا أنقياء كما ولدتهم أمهاتهم، لذلك يغتاظ الشيطان من يوم عرفة، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال : أنصت الناس ثم قال لهم: ( إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطي محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله ) رواه ابن ماجة وصححه بعض العلماء .

ويوم عرفة هو من مفاخر المسلمين وأعيادهم، فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) رواه الترمذي .

أعمال الحاج في يوم عرفة

يخرج الحاج من منى باتجاه جبل عرفة مع شروق الشمس للوقوف بها، وذلك في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، ويتحقّق الوقوف بعرفة بوجود الحاج في أي منطقة من مناطق عرفة، إن كان واقفاً أو راكباً أو مستلقياً، أمّا في حال عدم وقوفه ضمن المنطقة المحددة الشاملة لجميع حدود عرفة في هذا اليوم فإنّ ذلك يفسد حجّه. الأفضل أن يجمع الحاج في وقوفه على عرفة بين جزء من النهار وجزء من الليل، ويستحب في هذا الموقف العظيم أن يحافظ الحاج على الطهارة الكاملة، ويستقبل القبلة ويكثر من الدعاء والذكر، وذلك لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير"، ويستحب للحاج أن يصلّي الظهر والعصر جمعاً وقصراً في وقت الظهر ركعتين ركعتين، ولا يستحبّ للحاج صوم يوم عرفة فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه أفطر فيه .

أعمال غير الحاج في يوم عرفة

لايقتصر فضل يوم عرفة على الحاج فقط، وإنما يشمل جميع المسلمين فعلى كل من يطمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في هذا اليوم العظيم أن يحافظ على الأسباب التي يرجى بها العتق والمغفرة، ومن هذه الأسباب :

الصيام ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده ) رواه مسلم .

الإكثار من الذكر والدعاء، وخصوصاً شهادة التوحيد؛ فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في هذا اليوم، قال - صلى الله عليه وسلم -: ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) رواه الترمذي .

حفظ الجوارح عن المحرمات فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان فلان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا، وجعل الفتى يلاحظ إليهن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفِر له) رواه أحمد .

اللهم بلغنا يوم عرفة واعنا فيه على ذكرك وشكرك وطاعتك كما تحب وترضى .

الأكثر قراءة