"عبد العظيم درويش".. ورحلة عشق القلم!!

7-8-2019 | 20:32

 

أحلى أيام العمر تلك التي نلتقي فيها بلا موعد، وأغلاها تلك التي لا تقوم العلاقات خلالها على المصلحة المتبادلة، تحكمها الصداقة، وتوجه دفتها بوصلة القلب، البساطة والمحبة مجدافيها، لا تكدر صفوها أمواج التنافس، ولا تحول دون الوصول إلي شواطئ الأمان فيها غيرة أو حقد أو حسد.


وقد عشت هذه الأيام خلال دراستي الجامعية بقسم الصحافة بآداب القاهرة، نعم تعرفت علي بعض الزملاء والزميلات في السنة الأولى، ولكننا كنا جميعًا نتلمس طريق التعارف، ونمد جسور الود بين عالمين مختلفين، عالم الريف والبساطة، ودنيا المدينة الصاخبة، في قسم الصحافة اقتربنا من بعض أكثر، وبعد أن كنت أشعر بالضياع وسط أكثر من أربعة آلاف طالب وطالبة، يتكدسون في مدرجي 74،78 بكلية الآداب، أو "كلية فاطمة" كما كان يطلق عليها البعض لجمال ورشاقة وأناقة البنات فيها، وجدت نفسي أتعرف إلي رفاق الرحلة في أسرة الصحافة التي لم يزد عددها على 100 طالب وطالبة، نعم خرجت من عامي الجامعي الأول ببعض الصداقات، ومنهم صديقي حتى الآن الكاتب والأديب "حنفي المحلاوي" وصديقي الشاعر الذي أكلت أنياب الحياة موهبته، ابن بلقاس دقهلية "حسن سلامة".

أما مع بداية المحاضرات في قسم الصحافة بمدرج 48، تعرفت إلى زملاء، أثروا الحياة الصحفية، وتصدروا مشهدها طويلًا، وفي أول الصف منهم "عبد العظيم درويش مدير تحرير الأهرام" الذي غادرنا وسبقنا إلى دار الحق و"عمرو عباس" و"بيومي الشرقاوي" و"حسن عاشور" والمرحوم "حسين فتح الله" و"عادل إبراهيم"، و"مي زكريا نيل" والعبقري المنسي دائمًا "محمد طعيمة" و"عبد الجواد علي" و"عبدالله نصار" الله يرحمه، و"إبراهيم حسنين مجاهد" و"ليلي حسني" و"فكري كمون" و"أحمد عبدالحميد"، والمرحوم "أحمد عبدالتواب عبدربه"، وغيرهم.

من بين هؤلاء، كان "عبد العظيم درويش" أو كما كنا نناديه "درويش باشا" له طلة مميزة، فمنذ عرفته وهو حريص على أناقته، ولا زالت ملامح أول يوم التقيته فيه مرسومة في مخيلتي، فقد عرفني عليه الزميل "حسن عاشور" كان "درويش" يرتدي بنطلون شارلستون، طويل وحذاء كعب كباية، وحزام عريض بتوكة دائرية، وكان طويل الشعر، ولكنه لم يكن ينافسني في ذلك، فقد كان شعري أطول من شعره، ولكن كان الفرق بيينا، هو الفرق بين المدينة والريف.

كنت أحسده، وهذا ما اعترف به لأول مرة، فقد كان بيننا في هذه الفترة أجمل بنات الجامعة، وحلم شبابها منهن: الأديبة الصحفية "عائشة أبوالنور" والصحفية "وفاء الشيشيني" و"سامية فتح الله رفعت" وغيرهن، وكان "درويش" يحظي برفقتهن، والجلوس معهن على كافيتريا الكلية، التي كانت نقطة الجذب الأشهر في الجامعة، وكنت أراه بينهن منتشيًا ومنتفشا كالطاووس، كلما "تنعكشت" خصلات شعره أسرع إلى مساواتها، وكنت أتمنى أن أكون مكانه، ولكن لم تكن باليد حيلة.

ولكن هذا لم يحل بينه وبين متابعة المحاضرات المهمة، وخاصة محاضرات "المرحومة د.إجلال خليفة" التي علمتنا فنون التحرير الصحفي، وكان يترك لي مهمة تدوين وكتابة المحاضرات، وأذكر أنه كان يسلط عليً الزميل "عمرو عباس" ليحصل مني على كشكول المحاضرات، التي كانت "تفوته" وهو جالس مع "الغيد الحسان"، وأنا قابع في المدرجات، "محشور" بين المحلاوي وبيومي وعبد الغني الصعيدي، كان "عمرو عباس" لا يستسلم بسهولة، ولا يترك حجرتي بالمدينة الجامعية إلا بعد أن يأخد الكشكول، ومعه الملخصات التي كنت أجيد كتابتها.

كنت أحب "درويش" ويشاركني هذا الحب الأصدقاء؛ لأننا كنا نتمنى أن نعيش الحياة على طريقته، "لعب وجد وحب"، وهو كان يحبنا؛ لأنه كان يرى فينا الجانب غير الظاهر منه، وهو الطيبة، والقلب الأبيض، برغم التأنق، وأحيانا "التعالي"، وهو أبعد عن ذلك، فقد ولدًا أنيقًا، وأعتقد أن ذلك يرجع إلي حبه الكبير لوالدته، التي سمعت عنها، ولم أرها، ولأول مرة أحكي هذه الحكاية، عندما كنت مجندًا في "القلعة" خرجت في مهمة، وبينما كنت بمحطة الأتوبيس، رأيت فتاة يضايقها بعض الشباب، وحتى تهرب منهم اقتربت مني وتحدثت معي، وعرفت أنني خريج صحافة، فسألتني: هل تعرف "عبدالعظيم درويش" قلت لها صديقي وحبيبي، فراحت تقول قصائد شعر عن "طنط" أم عبدالعظيم، وتتغنى بكرمها وأناقتها، وحب الجيران لها.

المهم تخرجنا، وافترقنا لنجتمع مرة أخرى بجريدة "الأهرام" لتتواصل مسيرة صداقتنا، ولم أر "درويش" يومًا غير مبتسم، وكم كنت سعيدًا بنجاحه في مسيرته الصحفية؛ لأنني كنت أرى في نجاحه نجاحًا لي، ولكل أبناء دفعتنا، وبعد عودته من اليونان وتوليه مسئولية قسم الأخبار، حرصت أن أحاوره في برنامج "صالون صاحبة الجلالة" الذي كنت أقدمه علي القناة السادسة المصرية.

أما المفاجأة الكبيرة التي أشعرتني بالرضا هي ذلك الجانب الساخر في كتابات "عبدالعظيم درويش" وتميزه فيه، وقدرته على تناول أصعب وأعقد القضايا بدم خفيف، في مقاله الأسبوعي "تعليق"، وانحيازه إلى الناس، وقضياهم، واستمر درويش في انحيازه للشعب؛ لأنه آمن مثلنا أن الشعب هو الأبقى، فما أجمل من أن تكون "واحد من الناس".

وظل عبدالعظيم يكتب عن الناس ومشاكلهم، حتى بعد أن ترك الأهرام، وكان يكتب مقالًا أسبوعيًا في جريدة "الوطن"، رحمك الله يا صديقي وزميلي الذي لم يترك القلم حتى آخر لحظة في حياته.

مقالات اخري للكاتب

عبد الحميد سرايا.. وعفريت الدسوقي

في دنيا الصحافة حيث العمل اليومي الدقيق والسريع المتلاحق، قليلون هم من كانوا رمانة الميزان، الذين يضبطون إيقاع العمل ويوازنون بين أجنحته المختلفة، ويوجهون كافة الجهود نحو هدف واحد هو التميز وخدمة القارئ، وكان "عبد الحميد سرايا" هو رمانة ميزان "الأهرام" في عهد "هيكل".

بلدنا "فيها حاجة حلوة"

أحيانًا لا يطاوعني قلمي في الكتابة، خاصة وأننا قد تعاهدنا منذ أن تصاحبنا، وتآلفنا أن يصدقني التعبير، وأن يكون ضميري فيما أكتبه؛ لأنني من الذين يؤمنون بأهمية

المصريون والإيمان بالآخرة

يرجع اليهود عقيدة التوحيد إلى"موسى" عليه السلام حتى لا يعطون للمصريين السبق في ذلك، ولسلب المصري القديم أحقيته في كونه أول إنسان ذي عقيدة واحدة ناضجة، وتغافل حتى من أرجعوا عقيدة التوحيد إلى "إخناتون" عن أن العقيدة المصرية القديمة هي عقيدة أصيلة في عمق تاريخ الإنسـان المصري منذ بداياته.

المصريون أول من قال "لا إله إلا الله"

لنا الحق كمصريين أن نفخر ونتفاخر ونباهي العالم كله عندما نعلن عن اعتزازنا بمصريتنا والنابع من كون أن مصر هي البلد الوحيد الذي ذكر صراحة في القرآن الكريم خمس مرات، وورد ذكرها أيضا في القرآن الكريم‏،‏ بالتلميح‏، ثلاثاً وثلاثين مرة‏،‏ وهو أمر لم يكن لأي دولة في القرآن الكريم‏.

"من له مثل أولياتي ومجدي؟"

صدق شاعر النيل الكبير حافظ إبراهيم عندما قال: "وقف الخلق ينظرون جميعًا، كيف أبني قواعد المجد وحدي.. وبناة الأهرام في سالف الدهر.. كفوني الكلام عند التحـدي.. أنا تاج العلاء في مفرق الشرق.. ودراته فرائد عقـدي.. إن مجـدي في الأوليات عريق. من له مثل أولياتي ومجدي".

فضل مصر

يحلو للبعض أن يتباهوا بما يقدمونه أحيانًا لمصر من معونات أو مساعدات، متناسين أن مصر مدت لهم يد المساعدة يومًا، وكانت - إلى أيام قريبة - ترسل كسوة الكعبة فى موكب مهيب كل عام، يتفاخر هؤلاء ويتناسون أن الملايين منهم تعلموا على حساب مصر وبعثاتها التعليمية إلى دولهم.