وقفات مع أول ميثاق عالمي للحقوق

8-8-2019 | 18:52

 

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.. شعار وفد الله الآن في المشاعر المقدسة، تلهج به قلوبهم وألسنتهم وحناجرهم، في خضوع وذل وحمد لله، اعترافًا منهم بأن الملك كله لله وحده، تلبية واستجابة لنداء ودعوة نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، يلبونه راجين رحمته وعفوه وغفرانه، ويلبي معهم الحجر والشجر والمدر، مصداقًا لقول النبي: "ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو

مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا".

إنها أيام مباركات، تتسم بالخيرات وكمال الدين، فيها وضع نبينا وحبيبنا لأمته أول ميثاق عالمي للحقوق، ووالذي نفسي بيده لكأننا معه "صلى الله عليه وسلم"، وبين جموع المسلمين نستمع إلى آخر وصاياه للأمة، ذارفين الدموع، وهو يودعنا وداعه الأخير الذي لن نلقاه بعده إلا يوم القيامة وعلى حوضه الشريف، ويا لحسرة من سيحرم من هذا بذنوبه، أعاذنا الله تعالى وعافانا.

كان مما جاء فيها قوله: "أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب".

فكان أول ما حرّم على أمته دماءهم وأعراضهم، وأن حرمتهم أشد من حرمة الكعبة المشرفة، وهذا اليوم الجليل يوم عرفة، وشهر الله الحرام ذو الحجة، ثم حرم الربا، تأكيدًا على حرمته تعالى له: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا"، وقول الأسوة الحسنة: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه هم فيه سواء"، ولو تمعن الناس متدبرين هذا الكلام، لما وجدنا أحدًا يتعدى على أحد بالباطل، ولما سفكت الدماء، ولما سرقت ونهبت الأموال، ولما أضحت الأمة القوي فيها يأكل ويجور على الضعيف.

ثم يستوصي بالنساء خيرًا في هذا الموقف الجامع: "أما بعد أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقًا، ولهن عليكم حقًا لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرحٍ، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت".

فيوصي بحفظ حقوقهن، التي كثيرًا ما تتعرض الآن لجور وبطش عظيم ممن لا يراعون الله في نسائهم.

ثم ها هو ذا يوصينا بالاعتصام بالدين، الذي تركته الأمة، وأعرضت عنه -إلا من رحم- وبإعلاء قيمة الإخوة والاستمساك بها، وعدم ظلم بعضنا بعضًا، فيقول: "وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت فذكر لي أن الناس قالوا اللهم نعم، فقال رسول الله اللهم اشهد.

ثم يقر للعالم والبشرية جمعاء قانون ومبدأ المساواة بين الجميع، مسطرًا وواضعًا "صلى الله عليه وسلم" قانونًا وميثاقًا من أعظم قوانين الإنسانية ومواثيقها، وهو قانون وميثاق المساواة بين البشر، ونبذ العنصرية والطبقية، وعدم الاعتبار مطلقًا بالفروق الجنسية والعرقية واللونية، فالناس سواسية كأسنان المشط، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، فيقول في رقي لم تشهده البشرية قبله ولا بعده: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فيبلغ الشاهد الغائب"، إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله"، ولما فرغ من خطبته نزل عليه قوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"، وعندما سمعها الفاروق عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.

وبعدما أقر نبينا مواثيقه العالمية لأمته وللبشرية كلها في خطبته، قال للصحابة: "وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟" قالوا، ونحن معهم مقرين: "نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، وأديت، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك"، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد"..

كل عام ومصرنا وشعبها وكل أمتنا بخير وطاعة ورخاء وبركة واعتصام بدينها ورسولها، وعيد سعيد علينا جميعا يا رب.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

[x]