عودة اللمة

5-8-2019 | 20:19

 

قتل صديقه لمجرد خلافه في الرأي، وكان في البداية الحوار هادئًا، وتطور بسرعة إلى سب وشتم، وآخر ضرب شقيقه وأصابه بسبب نصحه له، وكم من زوج طلق زوجته إثر مشادة كلامية بينهما، وإحصائيات الطلاق المفزعة تعود نسبة كبيرة منها إلى هذا العامل، وأحيانًا يتعدى الابن على أحد والديه لمعارضتهما على أفعاله وسلوكه، وكانت في المقابل انتشار ظاهرة الصمت الأسري أو ما يسمي بالأخرس الزوجي داخل البيوت المصرية، التي أخذت في الانسحاب على جميع العلاقات الاجتماعية، وصار الكثير يتجنب الإدلاء برأيه خشية غضب الآخر والتطاول عليه.

ويعني أننا أفسدنا بيننا عادة حميدة، وجعلنا منها أن لغة الحوار هي ما تفسد للود قضية، ومن ثم تضخمت لدى الناس فوبيا الصمت إزاء أي قضية، حتى وصل الأمر إلي موت النخوة في نفوس البعض، وفضلوا الاكتفاء بالفرجة على اعتداء شخص على الآخر أو الصمت أمام الاعتداء على امرأة، ولا يؤمنون بأن الحوار والحديث المتبادل بين الأطراف غايته الوصول إلى فائدة أو حل لقضية، وفهموا معنى الحوار أنه جدال ومحاولة كل طرف لفرض رأيه، والفرق كبير بين الحوار والجدل فالحوار أسلوب للمكاشفة والمصارحة دون لف أو دوران، وعلى النقيض منه الجدال الذي لا يسفر عن إجابة صائبة، ونهاية الجدال سباب ولغط في الحديث.

والشخص المتعصب لرأيه إن لم تكن معه فأنت ضده، ودائمًا يريد السيطرة على مجريات الحوار، وإن كانت آراؤه سلبية وتضر بالغير، ويجري هذا الوصف على النرجسي، وكأن لسان حالهما يقول إنهما على حق دائمًا، مع الاختلاف في أن النرجسي يلقي الريبة في آرائك، ويبث الروع في نفسك، ويصفون علماء النفس الشخص النرجسي بأنه يميل إلي الكذب والتلاعب بالألفاظ، والمتعصب لرأيه يتشنج وينفعل حين تصحح أخطاءه، ويكابر ويقحمك في جدال ليثبت صحة رأيه المخالف للواقع، والتعصب أحد سمات الإرهابي والشخصية العدوانية، والنرجسي والمتعصب يشتركان في حب الأنا، والمتعصب وليد تنشئة أسرية لا تسمع إلا صوت نفسها، والنرجسي معتل نفسيًا، يعاني اضطرابات شخصية تجعله عاشقًا لنفسه، ويرى أنه شخص نادر الوجود ولا يفهمه إلا خاصة الناس.

ومن الخطأ تصور أن الحوار مع الآخر لا يجدي، وأن ندع كل واحد وشأنه ليفعل ما يفعله، وانتشار هذا المفهوم السلبي يخلق تنافرًا مجتمعيًا، ويؤصل واقعًا مذمومًا يعتلي فيه قيم المصلحة الفردية في مقابل المصلحة العامة، وتظهر انعكاساته في تحلل الروابط العائلية، وإلى غياب تقليد مهم في مجتمعنا كان يحدث في الماضي، وهو تجمع أفراد العائلة الواحدة كل يوم جمعة في البيت الكبير، ونظرًا لتراجع مساحة مكان البيت في العصر الحالي، فليكن التجمع في بيت كبير العائلة ولو مرة واحدة في الشهر.

وعلى الوالدين أن يجتهدوا في جمع لم شمل أولادهم من أجل تحاور أسري هادئ لمدة ساعة واحدة من يوم لآخر، ليربوا فيهم التقارب الوجداني وتقبل ثقافة الاختلاف، فقد خلصت دراسات حديثة إلي أن معدل الحوار بين الزوجين وصل إلي 5 دقائق يوميًا، وأن معدل الوقت الذي تقضيه الأم مع أطفالها يقل عن ساعة، والأب مع أولاده أقل من ربع ساعة.

وقد تكون عودة اللمة في البيت الكبير أو عند الكبير هي السبيل لتربية جيل جديد يؤمن بالتحاور البناء القائم على احترام أراء الجميع، والإنصات إليها حتى لو كان الرأي هامشيًا، ولكي يفرغ الجميع ما بداخله، سعيا لبناء شخصية سوية تقبل بالرأي الآخر، ومن خلالها تتم الوقاية من التعصب والنرجسية، ولا تتعجب من فكرة العادة الموروثة في مجتمعنا، فهي كانت من أحد أسباب حصول أهل الدنمارك على أعلى مؤشر للسعادة على مستوى العالم، بعد أن أكتشف الدنماركيون أن لمتهم سواء خارج المنزل أو في داخله وحرصهم الدائم على التواصل بشكل منتظر سر سعادتهم والتراحم بينهم.

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الطريق إلى هتلر وقيس

حين نصطدم بواقع مؤلم نحلم بالهروب إلى واقع افتراضي ننعم فيه بالأمن والراحة، وكثيرا ما يقيم الحالم واقعه افتراضي على أسس من الوهم والخداع، وتشتد أزمته النفسية

عودة اللمة

قتل صديقه لمجرد خلافه في الرأي, وكان في البداية الحوار هادئا, وتطور بسرعة إلي سب وشتم, وآخر ضرب شقيقه وأصابه بسبب نصحه له, وكم من زوج طلق زوجته علي إثر

تمثال نهضة مصر يشهد لابن القرية

وقالوا الإنسان ابن بيئته، وابن القرية نشأ في أحضان زرعها الأخضر، وتربى على أرضها وعلم أنها لا تخرج ثمارها إلا بعد مثابرة وبذل العرق، وعرف أنها تحمل بين

تخيل لو أجل المجرمون جرائمهم!

نداء من الشرطة إلى كل المجرمين أوقفوا جميع أنشطتكم الإجرامية في أثناء فترة ارتفاع درجات الحرارة حتى إشعار آخر، فلا يذهب خيالك بعيدًا ليس هذا نداء أصدرته

أبسط الطرق للقضاء على الفساد

في عصرنا هذا انتشرت كاميرات المراقبة في الشوارع وألزمت الكثير باتباع قواعد المرور، والتجنب من إلقاء القمامة، وقلصت نسبة السرقات، ولكن المشكلة الكبرى التي

الانتقام الحائر بين القصاص والنجاح

تثور رغبة الانتقام والشعور بالغضب حينما يلحق الضرر بالابن, وهو لم يحدث مع والدة طفلة تدعى "كاري" البالغة من العمر 13 عامًا, التي ماتت على أثر حادث اصطدام