حضارة مصر البيئية وأثرها في تاريخ مصر (3)

3-8-2019 | 21:31

 

لقد قامت في وادي النيل حضارة عريقة تفاعلت فيها العوامل البيئية والبشرية معًا، وإن كان هناك اختلاف حول أهمية دور كل منهما؛ حيث يرى أنصار الحتمية البيئية أن النيل يرجع له الدور الأكبر في حضارة مصر، بينما يرى أنصار الحتم البشري أن الإنسان المصري له الدور الأكبر؛ لأن نهر النيل يجرى في عدة دول أخرى، ولم تقم بها حضارة مثل مصر، ومن المؤكد أن لكل منهما دورًا مهمًا، في بعض الأحيان يتصاعد دور الإنسان على حساب البيئة وأحيانًا العكس، وهذا يتوقف على نوعية الإنسان والبيئة المتاحة، ولكن تبقى إرادة الإنسان هي الفيصل للحضارة؛ حيث تميز تاريخ المجتمع المصري بظاهرتين هما القدم والاستمرار.


فمن حيث القدم فإن مصر من أقدم مواطن الحضارة في التاريخ، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق؛ ولذلك فالتاريخ المصري أطول التواريخ، ومع إنه قد شهد فترات انقطاع؛ كعهد الإقطاع الأول الذي حدث بين الدولة الفرعونية القديمة والدولة الوسطى، وكعهد الإقطاع الثاني بين الدولتين الوسطى والحديثة وعهد الاضمحلال الأخير بعد عصر الفراعنة وعهد غزوة الأتراك، ومع ذلك فإن مجموع حاصل كل هذه العصور لا يمثل سوى جزء صغير مقارنة بتاريخ مصر؛ لأنه في كل مرة تتراجع مصر تستطيع أن تنهض بقوة وتجدد العطاء للإنسانية.

كما استطاعت مصر برغم أدوار الصعود والهبوط أن تحتفظ على مر التاريخ بطابع حضارتها العام؛ خاصة في نظم الحياة الاجتماعية والمدنية أكثر من البعد الثقافي الذي شهد تغيرات أكبر، وإذا رجعنا إلى العصر الحجري القديم، لم تكن حضارة مصر في ذلك العهد السحيق الذي امتد عشرات الآلاف من السنين تختلف عن غيرها في هذا العصر إلا في أواخره، وبانقضاء العصر المطير انتهى الدور الأول من تطور الحضارة المصرية؛ حيث كانت الصحاري وحافتها أهم من قاع الوادي في حياة الإنسان.

أما بعد حلول الجفاف وقلة المطر أو انعدامه فقد زاد اعتماد الإنسان على مياه النهر، وانتقل النشاط من الصحراء إلى الوادي، وأخذ الإنسان يتحول تدريجيًا نحو استنبات النبات بدلًا من الاعتماد على النباتات البرية التي تنمو بشكل تلقائي، فاهتدى إلى زراعة البذور والحبوب ورعاية النبات حتى الحصاد.

وهكذا أخذت الحياة مظهرًا جديدًا فصارت زراعية إنتاجية، بعد أن كانت تعتمد على مجرد الجمع والالتقاط، واستقرت الناس في أوطان صغيرة، فحلت الوحدة الإقليمية الثابتة محل الوحدة القبلية المترحلة، وأصبح المجتمع في مصر مؤلفًا من جماعات ترتبط حياتها بقطع متجاورة من الأرض تتمسك بها وتدافع عنها وتحاول توسيعها، وأصبح الاعتماد على الزراعة، وهذا ترتب عليه أبعاد أخرى كثيرة مثل تعلم ادخار المحصول لبقية العام وربط الحاضر بالمستقبل والتخطيط للغد، وساعد ذلك على تنوع سبل المعيشة والعمران، فظهرت القرى والمدن الصغيرة وتنوعت الحرف والمهن وبدأ الاستقرار، وعرف هذا العهد بالعصر الحجري الحديث.

وترجع بداية العصر الحجري الحديث إلى نحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وبالطبع كان للبيئة دورها في نشأة الزراعة؛ حيث كان الفيضان يفيض في أواخر الصيف فيغذي التربة بالماء والغرين، ثم ينحسر على جانبيه في وقت ملائم لزراعة المحاصيل الشتوية؛ مثل الشعير والقمح، وبعد ظهور هذه المحاصيل يسقط المطر في الشتاء فيغذي المحاصيل إلى نهاية الموسم، ويكون الحصاد في الربيع مع براعة الإنسان المصري الذي نجح في الاستفادة من هذه البيئة؛ مما مكن مصر من صنع حضارة جديدة تعتمد على الزراعة، في زمن لم يكن معظم العالم يعرف شيئًا عن الزراعة، وظهرت مع الحضارة الوليدة مشكلتان، أولاهما الخطر المشترك الذي يهدد الجميع وقت الفيضان، وهذا يتطلب التعاون والعمل المنظم المشترك لمواجهته، وهذا علم المصريين التعاون والتنظيم والعمل المشترك.

والمشكلة الثانية هي حاجة زراعة النهر إلى شق ترع وإنشاء قنوات وإقامة جسور، وتنظيم جريان الماء وتوزيعها بعدالة للجميع، وهذا يتطلب وحدة المجتمع وإدارة جيدة وحكومة قوية قادرة على تنظيم كل ما سبق.

ولذلك كانت مصر من أعرق البلاد نظامًا وحكمًا وإدارة، فالحكومة فيها ضرورة فرضتها زراعة النهر، التي تختلف كثيرًا عن زراعة المطر، كما أن وجود النهر وخط سريانه بمنزلة الشريان الأساسي للمواصلات بين مختلف جهات الوادي والدلتا.

وهكذا قامت الدولة الفرعونية المتوسطة بنهضتها على أنقاض عهد الإقطاع الأول، كما تلت الدولة الحديثة برخائها وإمبراطوريتها الواسعة عهد الفوضى، والهكسوس، بل هكذا أيضًا ظهرت النهضة الحديثة وما صاحبها من تقدم في الإنتاج الزراعي، كما ساعد موقع مصر في أن تكون مركزًا للتجارة خاصة في العصور الوسطى والقديمة، وهذا بالطبع بالإضافة إلى موارد ثروتها، كما أن هذا الموقع وأهميته جعلها مطمعًا لسيطرة القوى العظمى على مر العصور، كما سهل هذا الموقع كثيرًا من الغزوات وأحيانًا الهجرة.

مما سبق يتضح التفاعلات والتداخلات المستمرة بين الإنسان المصري والعوامل البيئية المحيطة به، وأثر كل منهما على الآخر، فالبيئة أثرت في طباع المصريين والعكس صحيح، فقد روض المصريون النهر العظيم، وأقاموا الترع والقنوات والجسور والسدود وصنعوا أعظم الحضارات، وعلموا الناس والدنيا الزراعة والقراءة والكتابة والعدالة؛ حيث كانت "ماعت" إلهة العدالة فى مصر القديمة، ورمزها الميزان، الذي وضع في جميع محاكم مصر القديمة، وبعد ذلك انتقل هذا الرمز لجميع محاكم العالم.

هذه هى مصر أم الدنيا، وهذا هو دورها الإقليمي والعالمي بحكم الجغرافيا وشهادة تاريخ آلاف السنين.

مقالات اخري للكاتب

حضارة مصر استمرارية (4)

موقع مصر يعرضها دائمًا لأطماع القوى الخارجية؛ ولذلك تعرضت مصر لغزوات كثيرة عبر تاريخها، ومع ذلك استطاعت مصر دائمًا أن تدمج الغزاة فيها، وتحتفظ بطباعها الخاص، وخاصة في الجانب المادي والمدني في الحضارة، فالزراعة لم تتغير كثيرًا إلى أن جاء الري الدائم حديثًا وعمل الفلاح ومعيشته.

حضارة مصر والدور الإقليمي والدولي (2)

كتاب "حضارة مصر" وعرضه الآن، ليس مجرد تكريم لعالم كبير - وإن كان هذا حقه - وأيضا كتاب الأعمدة السبع للشخصية المصرية، وقبل الجميع كتاب شخصية مصر لمفكر مصر الإستراتيجي "جمال حمدان"، وغيرهم من كتب في هذا المجال، عرض هذه الكتب ليس الغرض منه التكريم أو العودة للماضي وأمجاده.

حضارة مصر (١)

يعد كتاب "حضارة مصر أرض الكنانة" من أهم الكتب التي تناولت الشخصية المصرية عبر تاريخها، ومؤلف الكتاب هو الدكتور سليمان أحمد حزين من مواليد 1909، وتوفي 1999م،

الكليات العلمية والتطرف الفكري

تساءل الكاتب خالد منتصر عن سر العلاقة بين دراسات الكليات العملية والتطرف الفكري؛ نتيجة لملاحظته أن نسبة عالية من المتطرفين فكريًا هم خريجو الكليات العلمية؛

الإصلاح الاقتصادي والتقييم البيئي.. تعليق ختامي (14)

دراسات الجدوى الاقتصادية انتهت في العالم منذ عام 1969 عندما أصدر الرئيس الأمريكي قرارًا بضرورة الحصول على موافقة دراسة تقييم أثر بيئي شاملة على أي مشروع

وردة والجنايني والحصاد

كان سلوك اللاعب عمرو وردة لاعب المنتخب القومي لكرة القدم غريبًا كلاعب محترف، وفي بطولة قارية كبرى، وداخل معسكر المنتخب القومي لدولة عريقة في الحضارة تستضيف