فلنتعرض لنفحات ربنا الكريم

1-8-2019 | 20:20

 

أظلنا بجوده وجزيل نفحاته ونعمه وفي تجلياته الربانية، التي بها نستزيد قربا إليه سبحانه - وهو الغني عنا وعن عبادتنا - وتزداد بها صحائفنا نورًا من أنوار عطائه، فلله الحمد الذي أنعم علينا نعمًا لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النفحات هذه الأيام المباركات التي نعيشها الآن بسحائب فضله، وفيها يقول حبيبنا "صلى الله عليه وسلم": " إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا"، والحديث وإن كان ضعَّفه العلماء، ولكن منطوقه يحمل دلالة في الحث على اغتنام هذه الأيام الفضليات، والساعات المباركات من استباق الخيرات وتحين الفرص لاغتنامها والتعرض لها.

بفضله وجوده ها نحن ذا نحيا الأيام العشرة من ذي الحجة، الأيام المباركة التي علا شأنها عند الله تعالى وعند نبينا الحبيب، فورد فيها ما يدل على ذلك، كقسمه تعالى في بيان أهميتها وشرفها وفضلها: "وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)"، والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، كما قال ابن عباس، وابن الزبير، وقوله عز وجل: "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ" من قبيل شكره على نعمه، ومنحه وعطاياه الكثيرة في هذه الأيام العشرة، ويقول النبي: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء"، وعن النبي قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".

لقد حملت هذه الأيام العشر من الخيرية ما أهلها ربنا سبحانه لهذا، ولما لا وهي من أيام الأشهر الحرم، وفيها أتم الله على أمة حبيبه النعمة، وأكمل فيها الدين مصداقًا لقوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا".

وفيها جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال أي آية قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"، فقال عمر: إني لأعلم المكان الذي نزلت فيه، واليوم الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في عرفات في يوم جمعة.

ومن شرف هذه الأيام أن فيها فريضة الحج، ركن الإسلام الخامس، وفيها يوم التروية، الثامن من ذي الحجة الذي تبدأ فيه أعمال الحج، وفيها يوم عرفة، هذا اليوم العظيم ذو المفاخر وفضائله العظيمة، يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، والعتق من النار، يوم مباهاة الرب العظيم بعباده الحجاج الشُعث الغُبر، وغيرهم ممن لا يحجون، لقوله "صلى الله عليه وسلم": "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ"، وفيها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذي الحجة، الذي يُعد أعظم الأيام لقول النبي: "إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر، وهو اليوم الثاني من عيد الأضحى"، كما أنها مناسبة سنوية متكررة تجتمع فيها أُمهات العبادات، كما أكد ابن حجر بقوله: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أُمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" ،وعنها كان يقول كعب: "اختار الله الزمان وأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول، فلما كان لهذه الأيام المباركة فضل عظيم أكمل الله فيها التشريعات في يوم عرفة تحديدًا".

ولقد كان سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - يتفرغون للعبادة في هذه الأيام المباركة الشريفة من ذي الحجة فقد كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما، وكان أَبُو الدَّرْدَاءِ يقول: "الْتَمِسُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ"، وكان سعيد بن جبير إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه.

ولنا في حبيبنا فخر الكون وقدوتنا "صلى الله عليه وسلم" وصحابته الكرام وسلفنا الصالح، الأسوة الحسنة في تلمس كل الأعمال الصالحات الباقيات في العشر الفضليات، ومنها الإكثار من ذكر الله والتوبة وكثرة الاستغفار، والإكثار من الصدقات المادية والمعنوية الممثلة في جبر الخواطر، وإدخال السعادة والسرور على قلوب الضعفاء والمساكين والفقراء وأصحاب العوز، والصيام، لما روي عن صيام النبي في هذه الأيام المباركة، فروي عن هُنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي قالت: كان رسول الله يصوم تسعَ ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر والخميس"، وكذلك صيام يوم عرفة، إذ سئل النبي عن صوم يوم عرفة، قَال: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ"، فلنغتنم هذه الأيام المباركة، أعادها الله علينا بالقبول ودوام معيته وكل عام أنتم بخير.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الحياء يا سادة

"تفاجئ (فلانة) جمهورها بإطلالة جريئة.. صور"، "داخل سيارتها.. تبرز أنوثتها.. شاهد"، "بطن مكشوف وتنورة قصيرة.. زوجة (فلان) بإطلالة جريئة في حفل.."، "شبه

وقفات مع أول ميثاق عالمي للحقوق

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.. شعار وفد الله الآن في المشاعر المقدسة، تلهج به قلوبهم وألسنتهم وحناجرهم،

ساداتنا .. السعداء

من الشخصيات التي ملأ الله عز وجل قلبي بحبهم، ساداتنا السعداء الثلاثة، وأولهم سعد بن الربيع، الأنصاري الخزرجي أحد نقباء الأنصار، آخى النبي "صلى الله عليه وسلم" بينه وبين عبدالرحمن بن عوف فيعزم على ابن عوف أن يعطي له نصف ماله، ويطلق إحدى زوجتيه ليتزوج بها، فيمتنع عبدالرحمن عن ذلك ويدعو له بالبركة

تحية للتعليم الفني.. مرة أخرى

من الأخبار التي أقرت عيني، وأدخلت السرور على قلبي هذا الأسبوع، حوار الدكتور محمد مجاهد نائب وزير التربية والتعليم للتعليم الفني المنشور بالزميلة "بوابة

التدين الظاهري

عندما حصر فخر الكون "صلى الله عليه وسلم" مغزى وحقيقة بعثته في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، كان هذا إشارة جلية لنعي تمام الإدراك، منزلة الأخلاق

موريتانيا..الإسلامية.. العربية

​موجة من الهجوم الضاري والانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي تعرض لها أحد مذيعينا الرياضيين المشهورين خلال الأيام القليلة الماضية، عندما استضاف