"ظاهرة الخريف" لا تعترف بالقوانين.. "السحابة السوداء" تتحدى 20 عاما من المواجهة

28-7-2019 | 18:35

السحابة السوداء - أرشيفية

 

إيمان محمد عباس

مع حلول شهر سبتمبر من كل عام، تعاود " السحابة السوداء " الظهور في دلتا مصر القاهرة، وتعد أسوأ ظاهرة تلوث بيئي تحدث فى فصل الخريف، - بحسب دراسات بيئية – حيث تزيد من نسبة تلوث الهواء بنحو 40%. ومنذ نحو 20 عاما، وتحديدا فى خريف 1999  ظهرت لأول مرة  فى سماء القاهرة، ومازلنا نراها كل عام فى نفس التوقيت. ورغم الإستراتيجيات والقوانين التى تم وضعها للحد من التلوث البيىئ، فإنها مازالت مستمرة وتظهر كل عام. 

ومؤخرًا ناقش مجلس الوزراء خطة مواجهتها، حيث وجه رئيس الوزراء إلي جميع الجهات المعنية بتفعيل غُرف العمليات بالتنسيق مع غرفة عمليات وزارة البيئة ، والتنسيق في إعداد التقرير المشترك لرفعه إلى رئاسة مجلس الوزراء عن السحابة السوداء .

وهنا تطرح "بوابة الأهرام" السؤال: لماذا لم يتم القضاء عليها نهائياً خلال تلك السنوات، وما أنجح سبل مكافحتها، وجاء الإجابات على لسان الخبراء كالتالى:

الطبيعة الطبوغرافية
بداية يقول الدكتور محمد علي فهيم أستاذ التغيرات المناخية بمركز البحوث الزراعية، إن هذا الوصف - السحابة السوداء - هو نفسه ما تكون عليه القاهرة الكبرى، في ذروة الفترة التي تظهر فيها مع بداية موسم حصاد الأرز، والغريب في الأمر أن خبراء البيئة يؤكدون دائما أن حرق قش الأرز ليس فقط هو السبب، وإنما هناك أسباب عدة وراء ظهورها، من بينها عوامل جوية تساعد على تركيز الملوثات وبقاؤها قريبة من الأرض في منطقة القاهرة الكبرى، مثل الرياح وتغير درجات الحرارة، ثم الطبيعة الطبوغرافية للقاهرة التى تؤدى إلى حبس الملوثات وتحدد حركة الجسيمات العالقة فى الهواء.

ويؤكد د. فهيم، أن وادي النيل بين الجيزة والمقطم محصور بين الهضاب الغربية والهضاب الشرقية والأبنية والعوامل المماثلة بالمدينة، إضافة إلى مصادر التلوث من داخل القاهرة، وأخرى تحملها الرياح الخفيفة من المحافظات المجاورة، مثل المركبات التى تعمل بالبنزين والسولار والصناعة المسابك والحديد والصلب ومصانع الأسمنت ومصادر حرق المازوت بمحطات الكهرباء وحرق المخلفات الصلبة والقمامة والمخلفات الزراعية.

ملوثات متعددة
ويضيف أستاذ التغيرات المناخية، أن ملوثات الهواء متعددة، وتواجه القاهرة عددا منها، أهمها النوبات التي تحدث في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، عندما تكون الرياح شمالية في الغالب، وتحدث غالبا فى أكتوبر ونوفمبر، حيث إن مصادر التلوث بالقاهرة تأتى بها (الرياح الشمالية-الشمالية الغربية والشمالية - والشمالية الشرقية) وهى الرياح الغالبة على مدار السنة بالملوثات من شمال القاهرة، ويتضمن ذلك الدخان الصادر عن حرق المخلفات الزراعية والمخلفات الصلبة حيث تتحد هذه الملوثات مع التلوث الموجود بالمدينة.

وغالبا ما تحدث هذه النوبات - على حد قول د. فهيم - في الشتاء وبداية الربيع، عندما تتحول الرياح وتأتى من الاتجاهات الجنوبية، وتحمل هذه الرياح الملوثات الصادرة عن مصانع الأسمنت والطوب والمصانع الأخرى بحلوان والتبين، مما يزيد من التلوث الموجود بالفعل في القاهرة، مستكملاً أنه من الممكن أن تؤدى الرياح الهادئة وتغير درجات الحرارة إلى نوبات حادة من التلوث تسببها الملوثات الموجودة بالفعل داخل القاهرة.

ويمكننا القول إن ما تشهده العاصمة اليوم من أتربة- والكلام مازال للدكتور فهيم- ما هو إلا ظرف جوي معين، بسبب اتجاهات الرياح الجنوبية الغربية، التي تجمع الجسيمات العالقة من المناطق المحيطة بالقاهرة، وخاصة الظهير الصحراوي، لتجمعها بسماء المحروسة، مع عوادم السيارات وأتربة المصانع، فيشعر المواطن بمثل هذا النوع من ضيق التنفس.

قش الأرز
ويرى الدكتور شاكر محمد أبو المعاطي رئيس قسم المناخ التطبيقي بمركز البحوث الزراعية، أنه برغم أهمية الأرز كسلعة رئيسية لملايين المواطنين، إلا أن مخلفاته تحولت إلى أداة تختنق الدلتا، فتكون ما نطلق عليه بـ" السحابة السوداء "، التي تنتج عن ارتفاع معدلات حرق مخلفات هذا المحصول في ساعات متأخرة من الليل داخل الحقول، ونرى مع مغيب الشمس المزارعين يرشون حقول الأرز بعد حصاده، بالسولار لحرق قش الأرز المنتشر بطول الحقل وعرضه في صفوف متوازية بعد الحصاد، ثم يشعلون النار فيه، وما هي إلا لحظات، حتى نرى الأدخنة الكثيفة تتصاعد إلى السماء من حقول الأرز مكونة سحابة سوداء هائلة. وهذا الحرق ممنوع بقوة القانون الذى صدر عام 1994، وفرض غرامة قدرها 2000 جنيه على من يخالف، لذا يقوم المزارعون بحرق قش الأرز ليلا خوف من الغرامات. ويضيف دكتور أبو المعاطي قائلا، إن وزارة البيئة قامت بعقد بروتوكولات للاستفادة من مخلفات الأرز، وتقوم بتوجيه حملات إلى المناطق التى تشهد ممارسات حرق قش الأرز ، ويتم تحرير مئات المحاضر ضد من قام بذلك.

التصدي المطلوب
من جانبه، يقول الدكتور علاء خليل أستاذ الأرصاد الجوية بمركز البحوث الزراعية، إن مكافحة ظاهرة السحابة السوداء يتطلب التصدي لكافة المشكلات البيئية بوضع سياسات عامة لدعم عملية التطوير البيئي، وكذلك وضع التشريعات المناسبة للتنمية البيئية في مصر، مؤكدًا ضرورة توفير مصادر التمويل المختلفة والقيام بالمتابعة والرصد البيئي والتفتيش بالتنسيق مع الوزارات والهيئات المعنية.

كما يجب تكثيف رصد بؤر حرق قش الأرز في جميع محافظات مصر، عن طريق صور أقمار صناعية تعطى مؤشرات لغرفة العمليات المركزية ب وزارة البيئة ، وتكشف بؤر الحرق، كما يجب متابعة عمليات الحرق صباحاً ومساء للقضاء عليها.

السبب الرئيسي
لكن الدكتور بلال علي عبد الحميد، الباحث بقسم الزراعة الحيوية بمركز بمعمل المناخ الزراعي بوزارة الزراعة، يرى أن حرق قش الأرز ليس المتهم الأول، حيث إن موعد حصاده يحدث فى فترة تكون فيها حالة الانعكاس الحراري فوق القاهرة قوية جداً، مما يساعد علي حبس الملوثات في الهواء قرب سطح الأرض وتكون السحابة السوداء أكثر وضوحا، وتؤدي بدورها إلى تلوث بيئي خطير في الهواء والماء والتربة، ويمتد تأثيرها السلبي على صحة الإنسان مسببة العديد من الأمراض أخطرها أمراض الجهاز التنفسي.

ولعلنا نتذكر ما حدث في عام 1987، عندما اتفقت الحكومات على بروتوكول "مونتريال" للأمم المتحدة لحماية طبقة الأوزون، من أجل التقليل تدريجياً من حجم الكيماويات الضارة بهذه الطبقة، ومن بينها غازات الاحتباس الحراري وعوادم السيارات المختلفة، والعديد من الأسمدة والمبيدات الزراعية. وبموجب هذا البروتوكول، اتفقت العديد من دول العالم، علي تقليص تدريجي لإنتاج واستخدام تلك المواد بحلول العام 2020 بدلاً من العام 2030 بالنسبة للدول المتقدمة، وبحلول العام 2030 بدلاً من العام 2040 للدول النامية.
وأكد الدكتور بلال علي عبد الحميد، أنه من المهم أن نبدأ بإجراءات حاسمة وعاجلة في تطبيق إعادة استخدام المتبقيات والمخلفات الزراعية والحيوانية والنباتية بتنفيذ بعض التقنيات المهمة في هذا الخصوص مثل صناعة الفحم الحيوي "بايوشار" من المخلفات الزراعية عن طريق الصوبة الحرارية وذلك للحد من معدلات التلوث البيئى وما يجلبه من آثار سيئة على الصحة والبيئة.

رسائل إعلامية
ومع اتخاذ الاحتياطات اللازمة بالمستشفيات فى تلك الفترة التى تظهر فيها السحابة السوداء ، تؤكد د. ياسمين فؤاد أن وزارة الصحة ستتولى توجيه رسائل إعلامية عن المخاطر الصحية لحرق المخلفات والتعرض للملوثات، وستقوم الوزارة من جانبها برفع التراكمات من المواقع والنقاط المؤثرة بالطرق، والعمل على منع إلقاء المخلفات بالطرق الرئيسية، بمشاركة قوات الحماية المدنية بوزارة الداخلية، وتكثيف حملات فحص عادم المركبات.

انخفاض الرؤية
ورغم نجاح وزارة البيئة في مواجهة ظاهرة السحابة السوداء العام الماضي، وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء بتفعيل غرفة عمليات والتنسيق بين الوزارات المعنية، فإن حسين أبوصدام نقيب الفلاحين يؤكد ضرورة التعاون بين وزارتى الزراعة البيئة لمعرفة المساحات المزروعة بالأرز هذا العام وأماكنها، وذلك لتكثيف حملات فى تلك المناطق لمنع حرق قش الأرز ، مؤكداً أن وزارة البترول تعتزم اعتماد الغاز الطبيعي في نطاق القاهرة الكبرى واشتراك وزارة التنمية المحلية في حملات متابعة حرق القش.

وعلى الرغم من توفير معدات كبس قش الأرز بالمحافظات، للحد من حرق قش الأرز ، فإن نقيب الفلاحين حسين أبوصدام، يرى أن ظهور السحابة السوداء هذا العام يكاد يكون أمرًا حتميًا، نتيجة لتضاعف المساحات المزروعة بالأرز عن العام الماضي، حيث تم السماح هذا العام بزراعة مليون و76 ألف فدان، والمزرع فعليا يصل إلى مليون و700 ألف فدان، مقارنة بمساحة العام الماضى التى بلغت ألف فدان، ومن ثم فالنجاح في منع حرق قش الأرز هذا العام يحتاج إلى نشاط مضاعف ومتابعة أكثر من جانب وزارة البيئة ، والجهات الأخرى المعنية.

تحفيز مادي
ويطالب نقيب الفلاحين، وزارة البيئة بتوفير أعداد أكبر من مكابس ومفارم قش الأرز للمزارعين، خاصة أنها عادة ما تكون أعدادها قليلة، مشيراً إلي أهمية وضع سعر يحفز الفلاحين على كبس أو فرم قش الأرز ، حيث إن تحديد 50 جنيها للطن، يعد مبلغا هزيلا جدا، ويجبر البعض إلى القيام بحرقه نظرا لأنه أقل تكلفة من جمعه وتوصيله للمتعهدين.
وأوضح نقيب الفلاحين، أن النقابة تنظم مجموعة من ندوات التوعية لأعضائها حتى لا يقعون تحت طائلة القانون، أو يدفعون غرامات كبيرة، وتوضح لهم أضرار حرق قش الأرز على البيئة، وتلوث الهواء، مشيرا إلى أهمية توفير وزارة البيئة لوسائل لنقل قش الأرز ، بشكل يغطى المساحات المزروعة، حتى نقضي على مخالفات حرق القش.

اقرأ ايضا: