العباقرة الجدد للأسف!

26-7-2019 | 20:09

 

منذ سنوات قدمت بالأهرام عدة تحقيقات صحفية تتبعت فيها رحلة أوائل الثانوية العامة ، وكانت المفاجأة سقوط معظمهم في منتصف الطريق، ولم يستطع معظمهم مواصلة مشوار التفوق؛ لاختلاف الدراسة بالجامعات عن المدارس، واعتماد بعض الكليات على الإبداع أكثر من التلقين الذي نشأ في كنفه هؤلاء الأوائل، بالإضافة لعوامل أخرى، خاصة العوامل المادية لدراسة الطب والهندسة، والحاجة للاستقرار لأبناء الأقاليم، وكان أن سقط كثير منهم في الطريق؛ مما دفع رجل الأعمال المحترم " فريد خميس " إلى إنشاء منظمة لرعاية هؤلاء المتفوقين بعد حصولهم على الثانوية العامة، غير أن الظاهرة التي يجب أن تثير القلق على المستوى القومي هي ظاهرة تل

ك المجاميع التي تقترب من المائة في المائة، بما يشكل ظاهرة الهرم المقلوب عكس الواقع تمامًا.

فقد كان من المفترض أن تصبح مصر بلدًا للعباقرة، بل تصدر الفائض منهم، ولكن الواقع مختلف تمامًا عن تلك المقدمات، ووصل الأمر بأن عباقرة الثانوية العامة تاهوا وسط زحام المجاميع النهائية، ومن واصل مشواره الجامعي لا يزال ينتظر الوظيفة "نور الهدى أمين"، الأولى على مستوى جمهورية مصر العربية في الثانوية العامة عام 1994 بمجموع 94٫5%، وتعمل مدرسة؛ لأنها لم تكن لديها واسطة، وعمرو السيد الذي كان أيضًا من أوائل كليته، ولم يكتف بكل هذا، بل أجاد أربع لغات مختلفة، وبرغم كل ذلك قابل صعوبات كثيرة حتى يحصل على وظيفة تليق به وبطموحه، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، فقرر السفر إلى إحدى دول الخليج، وعمل "ديلفري" بأحد المطاعم الشهيرة، وعندما عاد لم يجد سوى وظيفة أمين مخزن.

وكان رءوف محمود، من ضمن أوائل الثانوية العامة عام 2007، حيث إنه التحق بكلية الطب بجامعة عين شمس، ولكن "ولاد الدكاترة لهم أولوية في التعيين في المستشفيات الحكومية والخاصة"، وانتهى به المطاف للعمل بمستشفى حكومي، وكان سمير يحلم بكلية الطب، إلا أنه لم يدخلها بفارق 1% فقط، وبعد معاناته في البحث عن عمل في مجاله، أو توفير فرصة عمل من قبَل الدولة له، قرر أن يعمل على سيارة أجرة، ليست ملكه وإنما هو مجرد سائق عليها.

وهؤلاء كانوا يتطلعون لمستقبل أفضل، لاسيما في المجالات العلمية والمهنية، ولكن ما حدث هو العكس تمامًا فكان حالهم أسوأ بكثير من بعض الطلاب الذين لن يحالفهم الحظ  ويحصلوا على درجات عالية، وعملوا ببعض المهن بعد تخرجهم، فالبعض نهض بنفسه ووضع بصمة في مكانه، أما "الأوائل" فلم يجدوا سوى خيارين: التفرغ للبحث عن وظيفة بشهادته التي لن يجدها غالبًا، أو البحث عن أي مصدر رزق حتى إن كان بسيطًا.

وبرغم كل الحالات التي تؤكد اختفاء أوائل الثانوية العامة عقب تخرجهم، من المشاهد العلمية والمهنية بالمجتمع، فإن أولياء الأمور لا يزالون على نفس نهج "المجموع والدرجات" في تحديد مصير أولادهم، ظنًا منهم أن في ذلك حماية وأمانًا لمستقبل أبنائهم، نظرًا لأن "المجموع" في الثانوية العامة هو من يحدد مستقبل الطالب، ووضعه الاجتماعي. وبناء على ذلك - ومنذ زمن بعيد - وهم لا يريدون لأبنائهم سوى كليات "الطب، والهندسة، والشرطة"، وبغير ذلك فهو ابن ضل طريقه ومستقبله أعتم، وبالرغم من الوعي والإدراك المنتشر حاليًا، لا تزال نظرة "درجات الطالب" هي الأساس في تقييم الأبناء، وأيضًا بحسب نظام التعليم المصري المتهالك، الذي يمكن اختصاره في الارتباك في شكل ومضمون شهادة الثانوية العامة، كمعيار وحيد للجامعة، وقد حيرت كل الحكومات المتعاقبة في مصر تقريبًا، منذ العام 1825، وهو أول عام طبق فيه نظام الثانوية العامة في مصر، وكان يسمَّى وقتها بـ«التجهيزية»، وطوال رحلة الثانوية تغير نظامها عددًا كبيرًا من المرات، من حيث سنوات الدراسة، فصارت خمس سنوات في العام 1891؛ ثم تحولت إلى ثلاث في 1897، وفي 1905 زادت إلى أربع، بل تم تعديلها في العام 1935 لتصبح خمس سنوات للبنين وست سنوات للبنات، وفى نهاية السبعينيات عادت إلى ثلاث من جديد، وفى عام 1994 بدأ نظام التحسين، وبدأت معه الهوجة، لتنتهي مؤخرًا بنظام التابلت، ولسوف يستمر هذا الارتباك إذا ظلت المجاميع هي التي تمدد مستقبل تلك الأمة، ذلك لأن معنى شرط القبول بكلية الطب هو الحصول على 99%.

إن هناك خللاً عقليًا وفكريًا في القائمين على التعليم، ولا توجد دولة في العالم بهذا الوضع، خاصة إذا عرفنا أن معظم عباقرة مصر ونوابغها لم يكونوا من ذوي المجاميع المرتفعة في الثانوية العامة.

مقالات اخري للكاتب

الكبير

ليست صدفة أن المرء حينما يتوجع أول ما ينطق به (أخ)؛ بحثًا عن ملاذ آمن للأخ أو الأخت، وهما الأقرب بصلة الدم والعشرة ولفظ الأخ يطلق في العموم على المذكر

السجون المصرية والسجون الأمريكية

لا يمكن لأي عاقل وراشد الدفاع عن السجون؛ حتى لو كانت مقامة على ضفاف البحيرات السويسرية ويديرها ملائكة؛ فالسجن هو المقابل القبيح للحرية.

.. ولكن الحيوانات لا تقتل صغارها!!

عندما يفقد الإنسان إنسانيته، يصبح أسوأ من أشرس الحيوانات, ولكن عندما يتحول الحيوان من وحش كاسر إلى أم حنون وعطوف، فيصبح هناك خلل، وعلينا مراجعة آدميتنا..

أصحاب القداسة وأصحاب التعاسة

لا قدسية لأحد.. والانتقاد من منطلق علمي شرعي لا اعتراض عليه فكل يؤخذ منه ويترك إلا المعصوم "صلى الله عليه وسلم".. ولكن حينما يأتي الانتقاص والانتقاد من جاهل والغرض منه مجرد التشويه فهنا يكون الانتفاض دفاعًا عن الفكرة قبل أن يكون دفاعًا عن الشخص.

عودة الوعي للأمة المصرية

كانت مصر أمام اختيارين أحلاهما مر، ولم يكن أمام مصر أي بديل آخر سوى تجرع أعنف برنامج للإصلاح الاقتصادي، وكان الخيار بينه وبين إعلان الإفلاس، وكان الاختيار

وقائع سبع دقائق في قطارVIP

كان حادث قطار 934 الإسكندرية - الأقصر الـVIP كاشفًا لما في النفوس، وفاضحًا لسرعة إصدار الأحكام، وتنصيب الفيس بوك حكمًا وجلادًا.

مادة إعلانية