"القدرات" تحقق رغباتهم.. و"التنسيق" يقتلها.. أحلام المتفوقين تتحول إلى سراب بسبب المجموع

24-7-2019 | 17:33

تنسيق

 

داليا عطية

- مجموع الثانوية يحول حلم "عبير" بالالتحاق بالطب إلي سراب .. وخبراء علم النفس يحذرون من التداعيات

- "التنسيق" يحول الثانوية العامة لمرض يلاحق الأسرة
- أكاديميون عن النظام الحالي للقبول بالجامعات: يقتل الطموح ويهدر المواهب

تجارب الطلاب مع التنسيق مليئة بالروايات المأساوية التى تبخرت فيها أحلام العمر.. فالطالبة عبير سيد التي لم تتجاوز الـ 16 عامًا علقت آمالها على الالتحاق بكلية الطب.. ذلك الحلم الذي رافقها منذ الطفولة وأخذ يحركها نحو المستقبل فأصبح وقودها لتحقيق الطموح الذي انتقل إلي بقية أفراد الأسرة وبات التحاقها بكلية الطب أمنية الجميع حولها.

لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن فور إعلان الحد الأدنى للمرحلة الأولى لتنسيق الجامعات والذي جعل حلم العمر مستحيلًا، بعدما حصلت عبير على مجموع 94%  فى الثانوية العامة.. عبير ليست الوحيدة التي تبخرت أحلامها، أمام "التنسيق"، لكنها واحدة من بين آلاف الطلاب الذين اصطدمت أحلامهم وطموحاتهم بتنسيق القبول بالجامعات.

تقول عبير لـ"بوابة الأهرام" أشعر بعدم الرغبة في الحياة، فقد أخذت سنوات الدراسة على محمل الجد والاجتهاد، وأنا أضع نصب عيني الالتحاق بكلية الطب التي أميل إليها بكل جوارحي والتي طالما تخيلت نفسي أمارس المهنة وأؤدي الرسالة السامية،.. وكل هذا بسبب "التنسيق"

التنسيق.. قاتل الطموح
تتابع بدموع تتهم مكتب التنسيق بقتل الطموح وتقول متسائلة :" لماذا يحدد مكتب التنسيق مصيرنا العلمي؟ لماذا لا نحترم ميول الطلاب وقدراتهم العلمية؟ من المسئول عن طموحي الضائع وحلمي الذي راح ضحية "مجرد رقم" يحدده التنسيق ويشترطه لدخول الكلية ولا يقبل معه بدائل؟ وبنبرات أصابها الإحباط وتمكن منها اليأس تقول "عبير" : سيجبرني التنسيق علي دراسة مجال لا أرغب فيه؟

الصدمة النفسية التي تعيشها "عبير" وآلاف الطلاب تدفع "بوابة الأهرام" لفتح ملف نظام القبول بالجامعات في مصر "مكتب التنسيق" وكيف يراه طلاب الثانوية العامة وأساتذة الجامعات.. وما هي تبعات هذا النظام علي كل من الطالب والأسرة والمجتمع؟

أجمع أساتذة في الطب النفسي لـ"بوابة الأهرام" علي مخاطر نفسية جسيمة يسببها مكتب التنسيق لطلاب الثانوية العامة وأسرهم تقود إلي أمراض مزمنة بل وتجعل الثانوية العامة مرضًا يطارد طلاب المرحلة والمحيطين بهم، كما يحذرون من الصدمة التي تعيشها عبير وغيرها الذين تسربت من أيديهم "أحلام العمر" بسبب التنسيق فقالوا: "طلاب الثانوية العامة يعيشون مرحلة سنية خطيرة وغير مستقرة وهي مرحلة المراهقة لافتين إلي أن هذا السن يتسم بالضعف وعدم القدرة علي تحمل الصدمات أو التكيف مع المعاناة التي سببتها لهم "صدمة التنسيق".

 في أمريكا وبريطانيا
تعتبر أمريكا من الدول التي تقدس التعليم، ومع ذلك تعتمد في نظام القبول بالجامعات علي قدرات الطالب وميوله ورغباته أكثر من اعتمادها علي مجموع الثانوية العامة حيث لا تشترط الجامعات في أمريكا مجموعًا عاليًا فالطالب يتوجب عليه ألا يقل مجموعه في الثانوية العامة عن 75% وذلك علي أن يجتاز بعض الاختبارات التي وضعتها الجامعة للقبول بها وتتعلق هذه الاختبارات بالميول والموهبة.  كذلك الأمر فى جامعات بريطانيا، حيث لا تعتمد علي مجموع الثانوية العامة كوسيلة وحيدة لالتحاق الطالب بالكلية التي يرغب فيها وإنما تفرض اختبارات قدرات خاصة بمجال الكلية التي يريدها الطالب وفي حال اجتيازه هذه الاختبارات يبدأ الدراسة في الكلية.

أما فى مصر فمكتب تنسيق القبول في الجامعات، هو الجهة المنوط بها استقبال رغبات الطلاب الحاصلين علي الشهادات الثانوية العامة أوالأزهرية أو الفنية أو المعادلة، وقبول تلك الرغبات بحسب مجموع كل كلية، ويقوم مكتب التنسيق بتحديد ذلك  كل عام بحسب عدد المقاعد المتوفرة في الجامعات .

في مصر
علي ضوء ذلك يقول الدكتور وائل كامل أستاذ بكلية التربية الموسيقية جامعة حلوان في حديثه لـ"بوابة الأهرام" إن نظام القبول بالجامعات في مصر قاسيًا علي الطلاب وقاتلًا للطموح، حيث يعتمد علي مجموع الثانوية العامة فقط، ويجعله الوسيلة الوحيدة لالتحاق الطالب بالكلية التي يريدها، متهمًا مكتب التنسيق بإهدار المواهب: "كيف نضع الطالب أمام وسيلة واحدة فقط لدخوله الكلية التي يرغبها وهي حصوله علي المجموع الذي يحدده مكتب التنسيق".

القدرات.. تحقق الرغبات
ويستنكر الأستاذ الجامعي عدم التطلع إلي دول العالم ونظم القبول بالجامعات لديهم خاصة أننا نعيش بمرحلة وصفتها القيادة السياسية بـ"بناء الإنسان" مؤكدًا أن قبول الطالب في الكلية وفق اختبارات القدرات هو الأفضل بالنسبة له وللمجتمع وأن هذا النظام سيخرج لمصر كوادر حقيقية كلٌ في مجاله الذي التحق به عن رغبة وحب وموهبة وبالتالي سيبدع أثناء ممارسة مهنته بعد التخرج وهو ما يضمن مهن خالية من الأخطاء والإهمال الناتج عن الجهل والمحسوبية :" نظام القبول بالجامعات الحالي قاسي وقاتل للطموح والموهبة".

الجامعات ونسب السكان
بحسب المعدل العالمي بالنسبة للجامعات يتوجب وجود جامعة لكل 2 مليون مواطن حتي تتحقق الجودة في تلقي المعلومة وتتوفر البيئة العلمية المناسبة ويتمكن الطلاب من الالتحاق بالكليات حسب ميولهم ورغباتهم وليس حسب مجموع الثانوية العامة. ويتحقق المعدل العالمي في دول أوروبا حيث يتناسب عدد السكان مع عدد الجامعات التي يجب توافرها لذلك تطبق هذه الدول نظام القبول بالجامعات الذي يعتمد علي اختبارات القدرات أكثر من مجموع الثانوية العامة .
وفي مصر يوجد 24 جامعة، فى الوقت الذى يتخطي فيه عدد السكان 100 مليون نسمة، وبحسب المعدل العالمي للجامعات، فنحن بحاجة إلي 50 جامعة حتي نتمكن من توفير مقعد لكل طالب يريد الالتحاق بالكلية التي تتوافق مع ميوله ورغباته وليس مع مجموع الثانوية العامة، وهو ما يجعلنا أمام "أزمة مقاعد" للطلاب داخل الجامعات فعدد الجامعات لا يتناسب مع عدد السكان لذلك يعتمد نظام القبول في الجامعات علي مكتب التنسيق .

مخاطر نفسية.. وأعباء مادية
ويقول الدكتور وليد هندي استشاري الطب النفسي لـ"بوابة الأهرام": يعيش طالب الثانوية العامة وأسرته في ضغط نفسي علي مدى 3 سنوات،  بسبب مكتب التنسيق والنظام الحالي للقبول بالجامعات.  مشيرًا إلى أن آثار "التنسيق" النفسية لا تبدأ منذ الإعلان عنه بعد انتهاء مرحلة الثانوية العامة بل تبدأ منذ العام الدراسي الأول في المرحلة إذ يدخل الطلاب في سباق وليس تنافس أو تحصيل علمي ولكن سباق للحصول علي أعلي الدرجات للفوز بمقعد مميز يقدمه لهم مكتب التنسيق .

هذه الحالة من السباق تخلق مدرسة موازية في المنزل وهي الدروس الخصوصية التي تُحمّل الأسرة عبئًا ماديًا ومعنويًا وتجعلهم يعيشون في حالة من الضيق بسبب النزيف الاقتصادي والميزانية التي تفرضها الدروس الخصوصية علي رب الأسرة إضافة إلي الخوف والرعب من الفشل وعدم تحصيل الدرجات النهائية في نهاية العام الدراسي وهو ما وصفه استشاري الطب النفسي بغياب الأمن التعليمي والوظيفي في المستقبل مؤكدًا أن هذه الحالة تجعل الثانوية العامة عبارة عن مجموعة أمراض نفسية تطارد الطالب وأسرته علي مدى ثلاث سنوات متتالية .

ويؤكد دكتور وليد أن الخوف من تحصيل الدرجات التي يشترطها مكتب التنسيق لكل كلية، يسبب ضغط نفسي وتوتر مستمر للطلاب والأسرة، وهو ما نراه في الوجوه العابسة للأمهات والآباء أمام المراكز التعليمية. كما أن نجاح الطالب وعدم دخوله الكلية التي يرغبها بسبب المجموع الذي يشترطه التنسيق يصيبه وأسرته بالإحباط ومشاعر اليأس والشعور بالعجز.

ويشير د. وليد إلي مخاطر نظام القبول بالجامعات الحالي قائلا: إن الاعتماد علي مجموع الثانوية العامة فقط في الالتحاق بالكليات قد يعرض الطالب للفشل الدراسي أثناء العام الجامعي نتيجة عدم تكيفه مع ما يقوم بدراسته وذلك في حال دخوله كلية لا تتوافق مع ميوله واتجاهاته فرضها عليه مجموع الثانوية العامة .

عمالة غير مؤهلة
ويتابع المخاطر الجسيمة لنظام القبول بالجامعات الحالي فيقول إنه ينتج عمالة غير مؤهلة ولا تتسم بالكفاءة نتيجة عدم قناعتها لما قامت بدراسته وهُنا يحدث خلل في التوزيع النسبي للمهن والعمالة المجتمعية وهو ما يؤثر علي سوق العمل في المستقبل والمجتمع، حيث سيشهد تقديم خدمات في المجالات المختلفة بجودة ضعيفة وقد لا توجد جودة فالقائم علي الخدمة يؤديها عن غير رغبة لأنه لم يكن يرغب العمل في هذا المجال ولا حتى دراسته.

وأمام ذلك يؤيد استشاري الطب النفسي دعوة الدكتور وائل كامل أستاذ بكلية التربية الموسيقية جامعة حلوان إلي ضرورة تغيير النظام الحالي للقبول بالجامعات وتطبيق نظام جديد يعتمد علي اختبارات القدرات وليس فقط مجموع الثانوية العامة .

البناء الحقيقي للإنسان​
ويكشف دكتور وليد انعكاس العمل بهذا النظام علي كل من الطالب وأسرته قائلا: نظام الالتحاق بالكليات عن طريق اختبارات القبول والتي تتعلق بقدرات الطالب وميوله العلمية وموهبته سيجعل الجميع يعيش بأريحية وبدون ضغط أو توتر، ويرفع من معدل السعادة والشعور بالرضا ويعمل علي تقدم المجتمع وازدهاره، ويتماشي مع الخطط الطموح للتنمية المستدامة والتوجه الحقيقي للدولة، مؤكدًا أن ذلك هو البناء الحقيقي للإنسان الذي دعت إليه القيادة السياسية ولازالت تخطو نحو تحقيقه.

شعور بالانتماء
وأكد استشاري الطب النفسي أن نظام "اختبارات القدرات" يدعم لدي الطالب ثقته في الأداء الحكومي، ويزيل حالة الحقن الناتجة عن الشعور "غير الموضوعي" بعدم العدالة ويرفع من معدل الشعور بالانتماء ويزيد من رغبة الفرد في الإنتاج كما يرفع من معدل الرغبة في التطور المهني وإثبات الذات بما ينعكس لمصلحة المجتمع والدولة.