مفيد شهاب يتذكر

21-7-2019 | 19:25

 

"أكثر ما تعلمته في الحياة أن أسعى وراء أي إنسان وقع عليه ظلم لأرفعه عنه؛ الإحساس بالظلم قاهر.." هذا ما تحدث به الدكتور مفيد شهاب في حفل تكريمه أخيرًا بمكتبة الإسكندرية، الذي حوله مدير المكتبة الدكتور مصطفى الفقي

إلى حالة سحرية تضافرت فيها مشاعر الحاضرين ممن تحدثوا، وممن اكتفوا بالسمع والمتابعة.

كان الدكتور مفيد قد حصل على جائزة النيل ، كبرى الجوائز الثقافية المصرية ، وهو فقط ليس من أبناء الإسكندرية لتحتفل به المكتبة، إنما كان رئيسها في سنوات إعادة بنائها بحكم موقعه آنذاك كوزير للتعليم العالي.

أي حدث يمكن أن يتذكره الإنسان وهو يتجاوز أعتاب الثمانين، قطعًا الدكتور مفيد شهاب ليس غارقًا في متابعة الظلم الذي وقع عليه أو الانتقام ممن تسببوا فيه، وهذه مسالك بدا لنا نحن الحاضرين لاحتفال تكريمه أنه تجاوزها، وأنه يرى في مسيرة حياته ما هو أجمل أو أسعد منها، لكنه الإنسان النبيل بداخل الدكتور مفيد شهاب ، الذي يحسبها هكذا: "أنا تعبت فيجب أن أجنب كل من أستطيع طريق المعاناة" و"أنا ظُلمت فينبغي أن أفعل كل ما في وسعي لرفع الظلم عن أولئك المظلومين في أي مكان يمكن أن تصل إلى شكواهم ونجواهم"..

إذن الدرس في حياة الدكتور مفيد شهاب هو محاربة الظلم؛ لأنه وقع عليه ظلم شديد، وحكى  للحاضرين في حفل المكتبة عن اعتقاله سنة 1971 لفترة امتدت إلى سبعة أشهر، بينما من يتولى التحقيق في القضية خجلان من أستاذ القانون الدولي الذي يجلس أمامه، وكان الاتهام بالخيانة الوطنية، عـلى خلفية أحداث مراكز القوى، ثم بُرئ مع الإشادة بوطنيته، وتمر أربعون عامًا ليجد نفسه أمام محقق آخر حول ذمته المالية في إطار ما جرى مع وزراء آخِـر حكومات مبارك، وانتهى التحقيق بإبراء ذمته المالية والحكم بنزاهته وتقديمه للمحكمة أشياء لم تكن هيئات التحقيق تعرفها.

وحمد الله وقرر اعتزال العمل السياسي حتى الموت.. لكن هذا "الانصراف" لا يشمل خدمة الوطن والإدلاء بمشورته وتقديم خبرته في القانون إذا طُلب منه، ثم جاء من يفتح التحقيق معه مرة أخرى في ظل حكومة الإخوان ، وكان السؤال حول الأموال ومصادرها، وبينما التحقيق مفتوحًا تغير حكم الإخوان واتصلت به رئاسة الجمهورية لتبلغه بأن الرئيس عدلي منصور قرر منحه وسام الجمهورية من الدرجة الأولى هو وزملاء فريق طابا أو اللجنة القومية لطابا الذين خاضوا واحدة من أدق قضايا التحكيم الدولي في القرن العشرين واستطاعوا انتزاع هذا الجزء العزيز من تراب الوطن من يد إسرائيل بمهارتهم وخبراتهم، كان يومًا واحدًا يفترض أن يذهب فيه لتسلم الوسام واستكمال التحقيق؛ لكن جاءت إشادة أخرى بالنزاهة المالية.

تحدث الدكتور مفيد عن أيام سعيدة، منها يوم الحصول على الليسانس من حقوق الإسكندرية كأول الدفعة، وفي تلك الليلة مات جده، واختارته جامعة القاهرة عضوًا في بعثتها إلى السوربون في باريس، على الرغم من أنه معيد في جامعة الإسكندرية، عاش الفرح الاستثنائي عندما اختير رئيسًا لجامعة القاهرة، وتذكر وقت أن تقدم لخطبة زوجته أن طلب والدها منه ألا يكون ناصريًا، لأن عبدالناصر آذى العائلة في ممتلكاتها؛ لكنه رد بأن ما فعله عبدالناصر ليس لنفسه إنما للشعب، لكن الفرح الحقيقي الذي أفاض الدكتور مفيد في شرح أسبابه فقد كان بسبب استرجاع طابا، واتصال الرئيس مبارك به في الثالثة عصرًا وهو في جنيف يوم 29 سبتمبر 1988 ليهنئه ويطلب منه نقل التهنئة لكل الزملاء من أعضاء فريق الدفاع عن طابا.

وبدعوة على فنجان شاي من قبل رئيس هيئة التحكيم الدولية في قضية طابا، وبعد 4 سنوات من العمل، قال الإسرائيليون للفريق المصري: هي أرضكم لكننا لم نتوقع أنكم ستدافعون عن قضيتكم بأسلوب علمي، ويرى الدكتور مفيد هنا درسًا مستفادًا هو أنه ليس كفاية أن تكون صاحب حق إنما إقناع الآخرين بأنك صاحب الحق، وأن القضايا القومية لا تعتمد على الفهلوة، إنما تعتمد على المتخصصين والخبراء، كل في مجال تخصصه، شريطة أن يعملوا بروح الفريق..

ويفكر الدكتور مفيد في كتابة مذكراته، ويبدو أنه سيفعل؛ حيث تحدث عن خطوط عريضة، من بينها تجربته مع منظمة الشباب في زمن عبدالناصر، وتجربته كأستاذ جامعي، ثم وزيرًا، هو لا يمكن أن يرى نفسه بعيدًا عن الأستاذية مهما كانت المغريات التي أخذته بعيدًا بعض الشيء، لكنه لم ينقطع أبدًا عن التدريس، وهو كما تحدث سيكتب عن التعليم ودوره وإعادة هيبة المعلم.

ربما ساعد من تكلموا في الاحتفالية الدكتور مفيد على التذكر، لكنه برغم ذلك بدا كصاحب ذاكرة حديدية، فقد تحدث الأساتذة أحمد يوسف أحمد، وسمير تناجو، وسليمان عبدالمنعم، ومحمد عبد اللاه، ولوتس عبدالكريم، أما هو فقد طاف بالإسكندرية التي ولد وعاش فيها وتعلم في الليسيه، وفي شوارعها رأى الملك الإيطالي المنفي عمانويل يرتدي الشورت، ولمس الدكتور مصطفى الفقي حقيقة التوازن والموضوعية في شخصية الدكتور مفيد شهاب الذي اكتسب احترام الجميع في الجامعة، دوائر القانون، والحكومة والمعارضة.

مقالات اخري للكاتب

مسرح للإيجار

"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا عظيمًا".. قول مأثور نُسب إلى وليام شكسبير أو زكي طليمات، موليير أو أفلاطون، ليس هذا هو المهم الآن، إنما المهم هو صحة القول؛ لأنه

القوة الناعمة.. إعادة نظر

مصر لم تفتقد القوة الناعمة، ولكنها تحتاج إلى إنتاج المزيد منها وتسويقها واستغلالها..

السكك الحديدية في مصر.. ملاحظات على خطة التطوير

ويبدو أن المشروع الأبرز الذي تعمل عليه وزارة النقل حاليا هو مشروع محطة قطارات جديدة في بشتيل بالجيزة، وهي الحي المجاور لشارع السودان وأحمد عرابي، تقريبا

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..