حمى التنقيب الخفي عن الآثار.. أحلام وهمية بالثراء السريع

18-7-2019 | 14:10

صورة ارشيفية

 

شيماء شعبان

ترواد أحلام الثراء السريع ومحاولة اللحاق بركوب قطار الأغنياء في أقصر وقت، الكثيرون، حيث كانت الدافع الأبرز وراء انتشار عمليات التنقيب عن الآثار، والتي باتت ظاهرة تهدد تاريخ مصر وحضارتها، خاصة في ظل الأرقام المفزعة التي تتحدث عنها تقارير تجارة الآثار وحجم تهريبها للخارج.

وأدي هوس التنقيب عن الآثار، إلى جرائم القتل والتي كان آخرها حادث الفيوم رب الأسرة الذي قام بقتل زوجته وأولاده، فضلا عن عمليات النصب التي يتعرض لها الكثير.
 

وسعيا للتنبيه بخطورة الظاهرة المتفاقمة، تفتح "بوابة الأهرام" هذا الملف، "التنقيب  الخفي عن الآثار" في ظل ما يهدد الحفاظ على الحضارة والهوية المصرية..


تنقيب رسمي وآخر مخالف..
 

يقول الدكتور محمد حمزة الخبير الأثري وعميد كلية الآثار جامعة القاهرة السابق، إن التنقيب عن الآثار يسير في اتجاهين، الأول: هو الاتجاه الرسمي والشرعي والذي يؤكد عليه في قانون الآثار والمواثيق الدولية، حيث إن القانون رقم 177 لسنة 1983 وتم تعديله عام 2010 تقوم البعثات الرسمية سواء كانت أجنبية أو مصرية أو عربية بالبحث والتنقيب عن الآثار تحت إشراف وزارة الآثار.


أما الاتجاه الثاني، فهو التنقيب غير المسموح به قانونا وهو ما يعرف باسم "الحفائر غير الشرعية أو الحفائر الخلسة"، وهذا النوع من الحفائر الغرض منه الحصول على الكنوز الأثرية وتهريبها إلى الخارج مقابل الحصول على الأموال بغرض الثراء السريع، ويبرر هؤلاء بأن هذه الآثار تقع في حيازتهم أو بمعنى آخر أنها في تعداد ملكيتهم الخاصة سواء كانت أراض زراعية أو عقارات.

ويضيف "هذا التبرير لا أساس له من الصحة، باعتبار أن أراضي مصر كلها أثرية ما لم يثبت العكس، وبالتالي فإن باطن الأرض وما يحويه الجهة المالكة الوحيدة له هو الشعب المصري سواء الجيل الحالي أو الأجيال اللاحقة، أما هذه الادعاءات بالملكية فإنها غير صحيحة تماما، فهل معنى ذلك، أن أي شخص يعثر على البترول أو الغاز في أرضه أو أسفل منزله يعد ذلك مبررا لملكيته".


الركاز.. الكنوز المخفية..

وأضاف الخبير الأثري الدكتور محمد حمزة، لا علاقة للآثار بما يعرف باسم "الركاز" وهي "الكنوز المخفية أسفل الجدران"، ولها أسس وضوابط في الفقه الإسلامي، فهناك بعض رجال الدين أفتوا سابقا بأن العثور على أية آثار في أرض أو عقار ملكه أصبحت ملكا له، الأمر الذي شجع الكثير على الحفائر الخلسة، وهذا الأمر غير صحيح ولا علاقة له بالشرع والقانون، الأمر الذي أدي إلى الكثير من الحوادث المؤسفة وعدد كبير من الوفيات والإصابات.

ولفت الدكتور حمزة، إلى أن البعض يلجأ إلى تجلي شيخ من الشيوخ سواء كان مصري أو مغربي يتردد عبر وسائل الإعلام المختلفة، بوهم أن هذا العقار أو هذه الأرض به كنز مرصود، وأنه في استطاعته فك هذا الرصد، فمن هنا تبدأ الأكذوبة.. ويكون الغرض منها حصول هؤلاء الشيوخ وأمثالهم على الأموال، وهو ما يدخل في نطاق عمليات النصب والاحتيال.

النصب والاستنزاف المادي..

من جانبه يضيف الدكتور يوسف خليفة رئيس قطاع الآثار المصرية الأسبق، أن هوس عن تنقيب الآثار واللهث وراء الثراء السريع طالما أن هناك ضعاف نفوس، لذلك يجب توعية المجتمع بعد الحفر والتنقيب بحثًا عن الآثار وتنفيذ القانون، بعد أن تم تغليظ العقوبة ليكون عبرة وثوابا وعقابا، فهناك الكثير من ضحايا التنقيب عن الآثار سواء كان المصير الموت أو النصب والاستنزاف المادي، وفي كل الأحوال، فإن من يسعي إلى ذلك فهو خاسر، لأنه حتى ولو تمكن من الحصول على الآثار المدفونة، فإنه لا يستطيع تسويقها.

حرام شرعا

وأوضح الدكتور يوسف خليفة، أن التنقيب عن الآثار حرام شرعا، حيث إن تلك الآثار ليست مملوكة للشخص، حتى وإن كانت الأرض أو العقار مملوكا له، طالما تدخلت بها اليد البشرية، لكن الوضع يختلف لو وجد الشخص ثروة طبيعية، وقد نص القانون على أن الآثار هي أموال عامة ملك للدولة والشعب، لذلك لابد من ترك الآثار والحفاظ عليها كما تركها لنا أجدادنا.

مافيا التنقيب

من جانبه يشير المهندس ماجد الراهب رئيس جمعية المحافظة على التراث المصري، إلى أن هناك مافيا للتنقيب عن الآثار لدرجة قيامهم بالإعلان عن أجهزة المسح الخاصة بالكشف عن الأجسام الصلبة تحت الأرض، على الرغم من أن ثمن هذه الأجهزة يصل إلى أرقام فلكية، ويتم تسعيرها على حسب كشف المدى.

 

وكشف الراهب، أن تجارة الآثار فاقت تجارة المخدرات بل أصبحت الأهم والأكثر والأسهل ربحا وثراء، وقد أصبح التنقيب سهلا طالما أن هذه الآثار غير مسجلة وتم خروجها من مصر وبيعها، الأمر الذي يمثل خطورة السعي لطمس الهوية المصرية، ومصر تمتلك ثلث آثار العالم، وأن الأرض المصرية عائمة على الآثار.

وشدد الراهب، على ضرورة رفع درجة الوعي لدى المجتمع، فهناك شيوخ قد أفتوا بأن كل ما تجده أسفل منزلك أو أرضك فهو ملكك، كذلك الادعاء بأن التماثيل من الأصنام، لذلك بات من الضروري التوعية والاهتمام بالتعليم لزرع روح الانتماء والتركيز على أهمية الحضارة المصرية، بالإضافة إلى التوعية في المجتمع الذي يعيش بجوار المناطق الأثرية، وخاصة المناطق الغير مشهورة بآثارها، حتى لا يقع في براثن مافيا بيع والتنقيب عن الآثار وتهريبها، ولذلك من الضروري، تفعيل دور المجتمع المدني، للتوعية بأهمية الحفاظ على الآثار والحضارة المصرية.

سر الهوس بالتنقيب

وللوقوف على السر وراء الهوس بالتنقيب عن الآثار، يوضح الدكتور سعيد صادق أستاذ الاجتماع السياسي، أن اللهث وراء جمع الأموال والثراء السريع، وراء التنقيب عن الآثار، فهناك العديد من العصابات والعملاء بالداخل والخارج وسوق خارجية، والتشجيع على ذلك يأتي بأن تلك الآثار غير مسجلة، وأن أغلب مناطق المشهور عنها بالتنقيب عن الآثار في الصعيد.

ولفت أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن العقوبات غير رادعة، لأن هناك بالفعل ثقافة تمهد لهذا الدافع للثراء السريع، فضلا عن وجود مافيا الاتجار بالآثار في مصر، والأخطر.. أن الآثار جزء من فساد على أعلى المستويات مدعومة من الخارج وتواطؤ من الداخل، وذلك نتيجة إلى عدم وجود عقوبة رادعة، لذلك لابد من أن تعدل القوانين وأن تتقدم الحكومة بمذكرة لتغيظ عقوبة الاتجار والتنقيب عن الآثار بطرق غير مشروعة، وجعل العقوبة كعقوبة الخيانة العظمى، وذلك لأهمية الآثار واعتبارها أمنا قوميا.

مسموح للبعثات الرسمية

ومن الجانب الأمني يقول اللواء محمد نور الدين مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن القانون يجرم عمليات التنقيب عن الآثار للأفراد والهيئات غير الرسمية بالحفر والتنقيب، ولكن أجاز ذلك للبعثات الرسمية فقط وذلك بنص القانون، ولوزارة الآثار استجلاب البعثات الأجنبية للمساعدة في البحث والتنقيب عن الآثار تحت إشرافها، وأن كل ما يتم استخراجه من باطن الأرض هو ملك للدولة، فالقانون نص على إعتبار التنقيب عن الآثار جناية، لكن الهوس بالبحث والحفر والتنقيب هو سلوك إنساني بحت.

اقرأ ايضا: