قبل أن نفقد الأبناء

11-7-2019 | 21:54

 

مرت فترة زمنية طويلة؛ منذ أن تقابلنا أنا وصديق الطفولة؛ فقد شغلتنا الحياة؛ وكل منا ذهب لطريقه؛ وكانت فرصة لاستعادة الذكريات؛ والحوار حول أحوالنا؛ إلا أني لم أجده كما أعهده؛ وجدته شاردًا مكسور الخاطر؛ ولمعزته عندي؛ فقد بادرته سائلاً إياه: ما بك؟

سكت الصديق فترة ليست بالقصيرة؛ التمست فيها تهيئة نفسه للحديث والتنفيس عما تجيش في ثنايا صدره من حكايات؛ شعرت أنه يحتاج لمن يسمعها؛ ليخفف ما عليه من هموم وأحمال؛ تبدو أنها ثقيلة.

قال إنه منذ التقينا منذ أكثر من عقد من الزمان؛ سافر للعمل خارج مصر؛ حين جاءته فرصة طيبه للعمل بمرتب مغرٍ؛ ولأنه كغيره من الناس؛ آثر أن يسافر ليؤمن نفسه وأسرته من متاعب الحياة ومنغصاتها؛ لاسيما أننا نوقن داخلنا أن أهم المنغصات؛ هي شحوح المال اللازم لتدبير النفقات.

وترك أسرته المكونة من الزوجة وثلاثة من الأبناء؛ في مرحلة التعليم الابتدائي؛ وبعدما تيسر الحال معه؛ نقلهم لمدارس متميزة بمصروفاتها الباهظة؛ وقد سخر كل إمكاناته لتعليم أولاده والإنفاق عليهم بسخاء؛ وكان مبرره أن الحياة قد حرمته من متع كثيرة عندما كان في مثل عمرهم؛ وكانت قناعته؛ أن ما ينفقه عليهم؛ هو تعويض نفسي لما فقده في صغره.

ومرت السنون بزخمها وما لها وما عليها؛ الأولاد يتدرجون في سنواتهم التعليمية؛ لا ينقصهم شيء؛ والزوجة تسعى لإكمال رسالة الأب؛ في دأب ونشاط؛ متوسمين في الأبناء النجاح والفلاح.

إذن فما هي المشكلة؟

قبل أن يعود بعام واحد؛ لاحظ من رسائل الزوجة ما يفيد بشيء غريب؛ ليست كما هي؛ دائمًا يغلف القلق والتوتر صوتها؛ وحينما يسألها عما بها؛ تؤكد أن الأمور بخير؛ وما يقلقها متابعة الأبناء؛ حتى صرحت له بأن ابنه الأوسط؛ مريض؛ وعندما بدأت تتابعه؛ وتتردد به على الأطباء؛ اكتشفت المصيبة؛ أنه مدمن تعاطي المخدرات.

يقول لي؛ وقتها لم أتحمل ما سمعت وسقطت على الأرض؛ وحينما استفقت؛ قررت العودة بأسرع ما يمكن؛ حتى أدرك ما فاتني؛ ووصلت لأجد ولدًا غريبًا عني؛ لا أعرفه؛ منهك القوى؛ ضعيف البنيان؛ شارد الفكر؛ وبدأت رحلة العلاج؛ التي كلفتني مبلغًا كبيرًا؛ وكنت على استعداد أن أدفع كل ما أملك، وأن أستدين لو احتاج الأمر.

حتى بدأ الولد في التحسن رويدًا رويدًا؛ وقتها بدأت ألتقط أنفاسي؛ وأشعر بأني حي أعيش؛ وقررت العودة لعملي خارج مصر؛ وبعد شهور قليلة؛ تفاجأت بعودته مرة أخرى للإدمان؛ فقررت إنهاء عملي تمامًا والعودة نهائيًا إلى مصر.

عند عودتي وجدت حاله أسوأ كثيرًا من حاله السابق؛ وبدأت في رحلة العلاج؛ واكتشفت أني أهملت الجزء الأهم في رحلة العلاج الأولى؛ وكان إهمال هذا الجزء هو السبب الرئيسي في عودته للإدمان مرة أخرى.

إنه البعد عن أصدقاء السوء؛ عندما تحسنت حالته؛ وظل على علاقته بهم؛ كانوا السبب في عودته للإدمان مرة أخرى؛ وبناء عليه قررت التفرغ تمامًا لمتابعته عن قرب هو وإخوته؛ ولكن لأنه مازال واهنًا؛ فأنا ما زلت قلقًا.

وتعلمت من هذه التجربة دروسًا كثيرة؛ أتمنى أن يعلمها الناس؛ ولأنك صحفي وتستطيع أن تصل للناس؛ أرجو أن تقول لهم الآتي:

أن توفر لأبنائك متع الحياة شيء رائع؛ ولكن الأروع أن تحافظ عليهم؛ وذلك من خلال التقرب منهم ومصاحبتهم ومتابعتهم؛ وتقديم النصح لهم؛ والعون أولاً بأول؛ من خلال أمرين؛ الأول أن تكون أنت قدوة صالحة لهم في كل شيء؛ فلا يعقل أن تطالبه بالصلاة وأنت لا تصلي؛ أو أن يبتعد عن أصدقاء السوء؛ وهو يعلم أن لك صديقًا سيئًا؛ الثاني؛ أن تقوده لفعل الصالحات؛ فما يضيرك إن أخذت ابنك لأحد مستشفيات علاج الإدمان للتبرع لها؛ وشرحت له أسباب الإدمان وأبعاده.

من المهم تدبير نفقات حاجاتهم؛ ولكن الأهم تربيتهم على الحفاظ على ما اكتسبوه من مميزات؛ فهي لم تأت بسهولة؛ لذلك من الممكن أن ترحل بسهولة؛ إن تهاونوا في الحفاظ عليها.

وأنا في رحلة العلاج تقابلت مع أسر كثيرة؛ حتى إنني فُزعت من تزايد أعداد المدمنين؛ ونزول أعمارهم لسن صغيرة جدًا؛ وتأكدت أن تجار المخدرات تفننوا في اختراع كثير من الحيل للوصول لأهدافهم الدنيئة؛ ونحن لا ندري شيئًا حتى تقع الفأس في الرأس.

وآخر نصائحه؛ لا يوجد فتىً أو فتاة في مأمن من الوقوع في براثن الإدمان؛ إلا بالحفاظ عليهم ومتابعتهم ومصاحبتهم؛ ومعرفة أصدقائهم؛ لأن حمايتهم من الإدمان أسلم تمامًا من علاجهم جراء الوقوع فيه.

فبقدر حرصكم على أبنائكم؛ بقدر متابعتهم وملاحظتهم؛ ولا تقل لي إن أبناءك في مأمن ولا يمكن أن يكونوا من ضحايا الإدمان؛ وقتها أنت تُعرضهم للإصابة به.

فالوقاية هنا أسلم طرق التجنب وأفضل بشكل كامل من العلاج.

والله من وراء القصد،،،

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

حدث في جامعة حلوان!!

لم أكن أتخيل عندما كتبت مقالي السابق؛ عما تفعله المخدرات بأبنائنا؛ أني سأكتب اليوم؛ عما تفعله بهم إحدى مؤسسات الدولة؛ لاسيما أن هذه المؤسسات معنية بكل الدرجات بتنشئة الطلاب وتهيئتهم وتنمية قدراتهم؛ لإعدادهم لقيادة بلدهم في الأيام المقبلة.

قبل أن نفقد الأبناء

مرت فترة زمنية طويلة؛ منذ أن تقابلنا أنا وصديق الطفولة؛ فقد شغلتنا الحياة؛ وكل منا ذهب لطريقه؛ وكانت فرصة لاستعادة الذكريات؛ والحوار حول أحوالنا؛ إلا أني لم أجده كما أعهده؛ وجدته شاردًا مكسور الخاطر؛ ولمعزته عندي؛ فقد بادرته سائلاً إياه: ما بك؟

لماذا تفعل الخير؟!

بدأ النهار في الرحيل؛ حتى انحسرت أضواؤه؛ ومع بداية الغروب؛ وانسدال ضوء القمر؛ في تمازج رائع يبين عظمة الخالق في إبداعه اللا متناهي؛ كنت أقف منتظرًا أحد

كيف نستثمر الأمل

لم يكن من المفاجئ أن يطلب ابني صاحب الـ 15 ربيعًا، الذهاب للسينما، لمعرفتي ولعه بمتابعة الجديد منها، ولكن المفاجأة كانت في ذهابه لمشاهدة فيلم يحكى عن فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، فترة قد تعنيه أو تهم أحدًا من جيله.

سلوك مشين!

قد تصطدم ببعض الأمور التي تصيبك بإحباط، مثلما حدث معي يوم أمس الأول، حينما كنت أسير بسيارتي على الطريق الدائري في اتجاه المعادي، وقبل مخرج طريق الأوتوستراد بمسافة قصيرة، فوجئت بكيس ممتلئ بالقمامة يعبر سورًا جانبيًا، لتستقر به الحال في نهر الطريق.

تزييف الوعي.. وتزييف الدين

أن تُحلل حرامًا لتُبرر سلوكًا حرٌمه الله؛ فكر، توقفت كثيرًا عنده؛ محاولا تفسيره، ولكني لم أستطع؛ فكلما رأيت أحدًا مدعي الدين، يفتي بقتل العسكريين، وتحليل قتلهم، وصولا لهدفه الغادر، يزداد يقيني بأن هؤلاء ومن على شاكلتهم مصيرهم جهنم وبئس المصير.