حلم إفريقيا الذي طال انتظاره

11-7-2019 | 15:48

 

منذ سنوات، ليست قليلة، وأنا أتابع عن كثب اجتماعات الاتحاد الإفريقي، سواء كانت تلك الاجتماعات على مستوى القمة، أو مستوى الوزراء، أو كبار المسئولين في مقر الاتحاد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أو في عواصم إفريقية متعددة، إلى جانب متابعتي شبه الدائمة، وحضوري عشرات الاجتماعات والمؤتمرات وورش العمل التي نظمتها اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة، بشأن بحث سبل تفعيل التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية، وإزالة العوائق التي تعترض ذلك التكامل، وكانت الأزمة الحقيقية التي تشهدها تلك الاجتماعات دائمًا هي وجود غابة من القرارات الصادرة عن اجتماعات الاتحاد الإفريقي، والتي لم تجد طريقها للتنفيذ؛ ولذلك كانت الآمال والطموحات بشأن إطلاق منطقة للتجارة الحرة داخل القارة دائمًا ما تصطدم بالعديد من العوائق والمشكلات داخل القارة، ولم يكن أكثر المتفائلين يحلم بأن يرى قرار إطلاق منطقة للتجارة الحرة في القارة إلا حلما بعيد المنال.

ولذا فإن ما حدث في القمة الإفريقية الاستثنائية الـ12، والتي عقدت في نيامي عاصمة النيجر على مستوى القادة ورؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، هذا الأسبوع؛ حيث شهدت إطلاق اتفاقية التجارة الحرة القارية بمشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بصفته رئيسًا للاتحاد الإفريقي بدورته الحالية، جاءت بمثابة الحدث الأهم والأبرز في تاريخ القارة السمراء؛ حيث يعادل في أهميته تحول المنظمة إلى الاتحاد، خاصة أن تلك الاتفاقية ظهرت إلى النور بعد سنوات طويلة من المفاوضات والمشاورات بين دول القارة، وبعد موافقة 55 دولة عليها، وتصديق 27 برلمانًا على الاتفاقية، وبالتالي فإن تلك الخطوة الاقتصادية الرائدة والتي قادتها مصر باقتدار خلال رئاستها الحالية للاتحاد الإفريقي سوف تساهم بشكل كبير في زيادة فرص الاستثمار بين دول القارة وتعزيز حجم التبادل التجاري بها، وفتح آفاق استثمارية جديدة في العديد من الدول، حيث تهدف منطقة التجارة الحرة القارية لزيادة حجم التجارة البينية الإفريقية من 17 في المائة إلى 60 في المائة بحلول عام 2022، وتقليص السلع المستوردة بشكل رئيسي وبناء القدرات التصنيعية والإنتاجية وتعزيز مشروعات البنية التحتية بالقارة الإفريقية.

وبرغم إطلاق الاتفاقية، إلا أن الطريق مازال طويلًا، وليس مفروشًا بالورد، في ظل وجود العديد من العوائق التي سوف تعترض التنفيذ الكامل للاتفاقية؛ من بينها عدم اكتمال البنية الأساسية في الكثير من الدول، وعدم جاهزيتها للتعامل مع حركة التجارة ونقل البضائع المتوقعة بين الدول، إلى جانب ضرورة تأمين الطرق البرية والممرات البحرية التي سوف تعبرها تلك الحافلات أو السفن؛ خاصة في ظل وجود تنظيمات إرهابية منتشرة في عدد من مناطق القارة السمراء تسعى لتهديد الأمن والاستقرار بها، وبالتالي تهديد حركة التنمية وجهود دعم منطقة التجارة الحرة القارية.

والمؤكد أن ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال افتتاح أعمال القمة الإفريقية الاستثنائية، وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ حيث قال: "علينا أن ندرك أن الطريق طويل، وأن التكامل الصناعي بين دول القارة الإفريقية يستلزم جهودًا كبيرة، ونسعى لتحقيق آمال شعوبنا في التنمية والازدهار"، مشيرًا إلى أن تفعيل البنية التحية ضرورة لا مفر منها في القارة الإفريقية، وأن تعزيز المشاركة مع القطاع الخاص أمر ضروري لتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة".

ويقينًا فإن آمال وطموحات شعوب القارة السمراء في تحقيق التنمية وانطلاق أولى خطواتها بدأت ترى النور مع الإعلان عن إطلاق منطقة التجارة الحرة في القارة؛ خاصة في ظل تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي، والدور الكبير الذي بذلته القيادة السياسية والدبلوماسية المصرية في دفع العمل داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات الموجودة بالقارة؛ سواء البشرية أو الطبيعية بالصورة التي تليق بها، والاستفادة من وجود تكتلات اقتصادية مهمة بالقارة؛ ممثلة في الكوميسا والإيكواس والساداك، والتي تعد نقطة الانطلاق الحقيقية لمنطقة التجارة الحرة في القارة.

telsonoty@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

حلم إفريقيا الذي طال انتظاره

منذ سنوات، ليست قليلة، وأنا أتابع عن كثب اجتماعات الاتحاد الإفريقي، سواء كانت تلك الاجتماعات على مستوى القمة، أو مستوى الوزراء، أو كبار المسئولين في مقر

بنجلاديش "الجديدة"

أربع سنوات تفصل زيارتي الأولى لبنجلاديش عن زيارتي لها هذا العام؛ ولكن الفارق بين الزيارتين ضخم للغاية من حيث التطور والتغيير الذى شهدته البلاد على مستويات

أزمة "الروهينجا" وضمير العالم

على الرغم من زيارتي لعدد غير قليل من معسكرات اللاجئين حول العالم، فإن زيارتي – مؤخرًا – لمعسكر لاجئي مسلمي الروهينجا في منطقة "كوكس بازار" ببنجلاديش كانت لها طبيعة خاصة جدًا لأسباب عديدة.

التدريب والتأهيل لمواجهة التطرف في الصين

الإرهاب والتطرف وجهان لعملة واحدة، فالوجه الأول وهو الإرهاب يشير إلى التدمير والقتل والخراب بكل أنواعه وأساليبه، أما الوجه الآخر وهو التطرف

"باتشاي" شهر الصوم في الصين

على الرغم من وجود ثوابت وقواسم مشتركة بين المسلمين في جميع دول العالم بشأن مفردات وأسس الصيام والتي أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن هناك عادات

أنفاق الخير لكل المصريين

تلقيت على مدار اليومين الماضيين اتصالات عديدة من الدبلوماسيين المعتمدين بالقاهرة للتهنئة بشهر رمضان المبارك، وأيضًا التهنئة بافتتاح المشاريع القومية في سيناء؛ خاصة الأنفاق؛ حيث أطلق بعضهم عليها "أنفاق الخير للمصريين".