إلا سهر الليالي!

10-7-2019 | 19:59

 

نكاد ننفرد، مثل كثير من الشعوب العربية، بكل أمراض التسيب والتساهل مع الوقت ..

قبل عدة عقود اعتاد أجدادنا آباؤنا في كل ربوع مصر، ريفها وحضرها، النوم بعد صلاة العشاء بساعتين على الأكثر، وينهضون مع بواكير الفجر الأولى مكتملي الحيوية والنشاط، ومع طلوع الشمس ينصرف كل واحد إلى ممارسة مهامه اليومية...

آنذاك كانت معدلات الإصابة بالسكر وضيق الشرايين وتصلب المفاصل ومشكلات الهضم وغيرها من أمراض العصر، تكاد تكون صفرًا، برغم أنهم لم يكونوا يتبعون أنظمة غذائية خاصة؛ بل اتبعوا بفطرتهم أنماط حياة صحية وأنظمة غذائية مفيدة؛ لذا كانت علامات الشيخوخة والكبر تظهر متأخرة جدًا على وجوههم، في حين أننا قد نرى شبابًا اليوم وقد شاخت وجوههم من أثر السهر..

فاليوم، وبعد انتهاء موسم الامتحانات، ومنذ سنوات ليست بعيدة اعتادت كثير من الأسر السهر ليلًا حتى الفجر، حتى صار من يحرص على النوم مبكرًا في نظرهم "دقة قديمة"! وأصبح من المقبول أن ترن أجراس التلفونات المحمولة والأرضية بعد الثانية صباحًا دون أدنى خجل من الإزعاج، في حين أن مجرد رنين التليفون بعد العاشرة ليلًا في دولة مثل فرنسا يعد جريمة إزعاج منافية تمامًا للذوق العام!!

وطبعا الغالبية العظمى ممن يسهرون حتى الفجر يستيقظون بعد الظهيرة، بمزاج البائس التعيس الذي لم ير نور الصباح ولم يستنشق هواءً نقيًا منذ فترة طويلة، ومن ترغمه مواعيد عمله على الذهاب مبكرًا، يذهب فاقدًا اتزانه، وطبيعي أنه لن يوفي عمله حقه.

فالتضحية بصحة الجسم والسهر ليلًا في السمر ومتابعة الفضائيات، والانكفاء على الهواتف المحمولة لتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وما يصاحبه ذلك من تناول وجبات في أوقات متأخرة من الليل، يورث الجسم أضرارًا ومشكلات صحية أكثر من أن تعد أو تحصى..

وقد رصدت دراسات عديدة هذه المخاطر والأضرار، منها زيادة وزن الجسم وتكدس الدهون الزائدة فيه، واضطراب التمثيل الغذائي للجلوكوز؛ والذي يعد أحد العوامل المسببة لسكر الكبار، وإصابة العمود الفقري بالتشوهات بسبب عدم إراحته وبقائه في وضع الجلوس لفترات طويلة.

كما أن السهر ليلًا يسبب تناقص قدرة جهاز المناعة، وهو خط الدفاع الرئيسي الذي يقي الجسم من الإصابة بأمراض كثيرة، وهو مبرمج داخليًا على ساعات اليقظة الصباحية، والراحة ليلًا، ليقوم بعمله على أكمل وجه وبشكل طبيعي، والفوضى والخلط بين ساعات النوم واليقظة، يصيبه بالتشويش وعدم قدرته على أداء عمله بشكل كامل.

وللسهر ليلًا أضرار نفسية بسبب الخلل في إنتاج وإفراز الهرمونات في الجسم، ومن بينها هرمون الميلاتونين، الذي لا يتم إنتاجه وإفرازه إلا في ساعات النوم في الليل وفى الظلام، والسهر يتسبب بنقص هذا الهرمون، وما يعقب ذلك من افتقاد الإيقاع الحيوي لأجهزة الجسم، وعدم السيطرة عليها بشكل كامل، وبالتالي الإصابة بالاضطرابات النفسية، كالاكتئاب والإحباط والقلق .

وفى نفس الوقت الذي نحذر فيه من مشكلة السهر ليلا، نجد أن الغرب تشغله عدد ساعات النوم ليلًا، فكلما نقص نومك، نقصت حياتك، فنقص النوم، كما يحذر منه علماؤهم له تأثير كارثي على الصحة والعافية، وحتى سلامة وتعليم أطفالهم، ويعتبرون فقدان النوم الصامت بمثابة وباء، ويرون ذلك واحدًا من أكبر تحديات الصحة العامة التي يواجهها البشر في القرن الحالي.

فاضطراب النوم العميق عامل لا يقدره كثير من الناس، هكذا تؤكد دراسة أوروبية، فهو يسهم في الانخفاض المعرفي أو انخفاض الذاكرة مع تقدم العمر، وحذر العلماء من أن قلة النوم ستأكل نسيج حياتك البيولوجية، والذي هو نفسه رمز جيناتك الوراثية.

ومجرد خفض ساعات النوم ليلًا من 8 إلى 6 ساعات، رصد العلماء أمرين خطيرين، أولا تشوه نشاط 711 من الجينات الكبيرة والمهمة بسبب قلة النوم، وأن 50% من هذه الجينات أدى تشوه نشاطها إلى زيادة نشاط الجينات المرتبطة بالتهاب مزمن طويل الأجل والجينات المرتبطة بالإجهاد، وما يعنيه ذلك من حدوث أمراض القلب والأوعية الدموية .

أهم نتيجة انتهت إليها هذه الدراسة هي الانتظام في النوم، اذهب إلى الفراش في نفس الوقت واستيقظ من النوم في نفس الوقت، دون تفرقة بين أي يوم من أيام الأسبوع، فالنوم ليس أمرًا اختياريًا لأسلوب حياة مترفة؛ بل هو ضرورة بيولوجية غير قابلة للتفاوض، إنه نظام دعم حياتك.

النوم في الليل هو الفطرة السليمة التي فطر الله سبحانه وتعالى الجسم عليها، إذ يقول الله تعالى " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا" إنها إشارة وتوجيه رباني واضح أن النوم في ساعات الليل هو الأفضل للجسم من ناحية الصحة الجسدية والنفسية..

والمصيبة أن هذه الآية نزلت فينا، ونحن أبعد ما نكون عن الالتزام بها، بل أدرك قيمتها غيرنا، وتغافلنا نحن حتى عن إدراك الفوائد الصحية؛ بل والربانية في الاستيقاظ فجرًا.

نحن في أمس الحاجة إلى إعادة تأهيل وبرامج توعية، تعيدنا إلى الالتزام بقواعد التعامل مع الزمن وشروط الجودة النوعية للحياة .

مقالات اخري للكاتب

إلا سهر الليالي!

نكاد ننفرد، مثل كثير من الشعوب العربية، بكل أمراض التسيب والتساهل مع الوقت..

وظائف لها مستقبل!

​انتهى ماراثون الثانوية العامة، ويلتقط الجميع أنفاسهم قليلًا ثم يستأنفون بعدها رحلة المعاناة في اللحاق بمكان في الجامعات الحكومية أو الخاصة، وفي ظاهرة

نحن نأكل البلاستيك!

إن كانت هناك من قائمة بأخطر المنتجات في حياة البشر، فبالتأكيد لن يخلو منها؛ بل ربما يتصدرها البلاستيك.. نعم البلاستيك!!

متى تقوم الساعة؟!

في حديث هادئ له في زمن العصر الذهبي للتليفزيون المصري، أتذكر استغراب الفيلسوف المصري الراحل رشدي فكار من الإنسان، ذلك الكائن الذي يعيش في ضاحية من ضواحي الكون "كما وصفه"، ويتحدى الخالق عز وجل ويقول أنا أعترض .. أنا ملحد.. أنا من يقرر مصيري!!

مصير صفحتك على "الفيسبوك" بعد عمر طويل؟!

أعلم أن هذا الموضوع لن يرتاح لمجرد قراءة عنوانه الكثيرون من أولئك النفر القليل الذين تستهويهم هذه النوعية من المقالات، هناك مقولة أنقلها عن العراب المُبدع أحمد خالد توفيق، الذي احتفت جوجل بذكرى ميلاده الإثنين الماضي، يقول فيها "لكل شيء نهاية حتى أنا"..

عيادة علاج إدمان المحمول!

بعد أن كانت الغالبية العظمى من الناس تنام ليلا إما على كتاب تقرأه أو على سماع محطات الإذاعة الشهيرة، خاصة القرآن الكريم ولندن وصوت العرب وإذاعة الشعب..