الانتقام الحائر بين القصاص والنجاح

8-7-2019 | 20:41

 

تثور رغبة الانتقام والشعور بالغضب حينما يلحق الضرر بالابن، وهو لم يحدث مع والدة طفلة تدعى "كاري" البالغة من العمر 13 عامًا، التي ماتت على أثر حادث اصطدام سائق تاكسي مخمور، وخرج بكفالة بعد إلقاء القبض عليه، وتأزمت الحالة النفسية للأم "كاندي" بعد سماعها كلام ضابط الشرطة أنها ستكون محظوظة إذا أمضى أي مدة في السجن، وفي هذا الوقت تعهدت على نفسها أن تحولها إلى قضية رأي عام، وتحرك المجتمع لفرض عقوبة صارمة على القيادة في حالة سكر.


وتركت عملها وأسست مؤسسة "أمهات ضد السائقين المخمورين" وتم تعديل اسمها إلى "أمهات ضد القيادة في حالة سكر"، ووقتها تدخل الرئيس ريجان ونجحت مؤسستها في سن عقوبات جديدة، حتى شملت حملتها تغيير قانون شرب الخمر في العديد من الولايات المتحدة، ووجهت بوصلة ثورة انتقامها من ثأر شخصي إلى فائدة تصب في مصلحة الجميع.

وسيدة أعمال تتغلب على مشاعرها الجامحة للانتقام وتستثمرها في نجاح مشروعاتها، فقد استطاع مديرها المالي التلاعب في مستندات شركتها، واختلس مبلغًا كبيرًا من المال، وأوقف البنك تعاملاتها لعدم وفائها بأقساط القرض، ولم تعلم السر خلف إجراء البنك، مما اضطرت إلى التصالح مع البنك ودفعت غرامة مالية كبيرة لتخرج من السجن، وأبلغها المحامي بحقيقة الأمر، وعزمت على الانتقام من المدير المالي، وبحثت عنه بعد هروبه، حتى صادفته وحاولت الاصطدام بسيارته، وفي لحظة الانتقام تراجعت وقررت محاربته بطريقة مختلفة، وذلك بالوقوف على قدميها من جديد وإنشاء شركة أخرى، وفي أثناء صعود شركتها الجديدة بدأت تتضاءل مشاعر الانتقام لديها، وتخطى نجاحها بفارق كبير شركتها الأولى.

ويسجل الواقع العديد من قبيل هذه المواقف الحقيقية، التي تحول من الرغبة في الانتقام إلى طاقة نجاح، وعلى النقيض تمامًا نشرت دراسة حديثة في المجلة الأمريكية " الشخصية وعلم النفس الاجتماعي"، وذكرت أن رغبة الانتقام عملية إدراكية تصدر من العقل الباطن من أجل شفاء النفس من المشاعر السلبية؛ نتيجة ما وقع من ضرر، والرغبة في الانتقام تعيد التوازن النفسي، بشرط توافر نية الفرد المنتقم عدم تدمير حياته بالتوسع في دائرة الانتقام، وتوصلت الدراسة بعد إجراء التجارب إلى أن الانتقام يحسن مزاج الشخص، وتسعى الدراسة إلى وجود وسيلة بديلة للحد من الانتقام لتصفية المشاعر.

وتجد من يقولون إن الانتقام هو الحل، ولا يعتقدون في مقولة أنه سمة الجبناء، وأن التسامح للأقوياء، ويقول الله تعالي: " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"، ويقول تعالي: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ"، وشرع المولي في آياته العدل وهو القصاص وليس الانتقام والجور فيه، ويضع في المقدمة الصفح والإصلاح، وتتجلى في موقف الرسول "ما تظنون أني فاعل بكم" أخ كريم وابن أخ كريم "أذهبوا فأنتم الطلقاء".

ولكن من يصر علي الظلم ولا يلين بالحكمة، وجب عليه العقاب تفاديًا من تفاقم ضرره، ولاستعادة الحقوق، والقصاص بمعناه الشرعي من مقتضيات السلم الاجتماعي، والقصاص يصبو لضبط الشطط النفسي، وحين ينحرف الانتقام عن روح القصاص يصبح ظلمًا، ويبتعد بصاحبه عن الإصلاح، ويتمكن منه حب الانتقام المفرط، ويمحو بداخله مشاعر الرحمة وعاطفة الحب، وتتجذر فيه الأنانية والكراهية، وتقول دراسة أمريكية أخرى أن الانتقام يولد الشعور لدى الناس بالسعادة، وفي المقابل يعطي الإحساس لهم بالحزن، وتعقيبًا على نتيجة الدراسة إن الشعور بالحزن أمر جيد بسبب الخوف من وقوعهم في نفس العقاب إذا ما ألحقوا ضررًا بالآخرين، وهو ما يفسر حكمة القصاص أو الانتقام العادل.

وأقوال الحكماء تقول قمة الأخلاق أن تعفو وأنت قادر على الانتقام، وأن أفضل الانتقام هو ألا تكن مثل من جار عليك.
khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ثنائية يغفل عنها العشاق

يحكى في الهند عن رجل قام بتكسير جبل بالكامل، من أجل زوجته التي فقدها نتيجة تدهور صحتها بشكل سريع، ولذا أطلقوا عليه رجل الجبل، وتقول الحكاية إن الرجل لم

عودة اللمة

قتل صديقه لمجرد خلافه في الرأي, وكان في البداية الحوار هادئا, وتطور بسرعة إلي سب وشتم, وآخر ضرب شقيقه وأصابه بسبب نصحه له, وكم من زوج طلق زوجته علي إثر

عودة اللمة

قتل صديقه لمجرد خلافه في الرأي، وكان في البداية الحوار هادئًا، وتطور بسرعة إلى سب وشتم، وآخر ضرب شقيقه وأصابه بسبب نصحه له، وكم من زوج طلق زوجته إثر مشادة كلامية بينهما، وإحصائيات الطلاق المفزعة تعود نسبة كبيرة منها إلى هذا العامل، وأحيانًا يتعدى الابن على أحد والديه لمعارضتهما على أفعاله وسلوكه،

تمثال نهضة مصر يشهد لابن القرية

وقالوا الإنسان ابن بيئته، وابن القرية نشأ في أحضان زرعها الأخضر، وتربى على أرضها وعلم أنها لا تخرج ثمارها إلا بعد مثابرة وبذل العرق، وعرف أنها تحمل بين

تخيل لو أجل المجرمون جرائمهم!

نداء من الشرطة إلى كل المجرمين أوقفوا جميع أنشطتكم الإجرامية في أثناء فترة ارتفاع درجات الحرارة حتى إشعار آخر، فلا يذهب خيالك بعيدًا ليس هذا نداء أصدرته

أبسط الطرق للقضاء على الفساد

في عصرنا هذا انتشرت كاميرات المراقبة في الشوارع وألزمت الكثير باتباع قواعد المرور، والتجنب من إلقاء القمامة، وقلصت نسبة السرقات، ولكن المشكلة الكبرى التي