البابا تواضروس: أؤمن بأن مصر مبروكة

7-7-2019 | 21:42

 

فيما يصلي المصريون، ويتضرعون إلى الله، عز وجل، بأن يمن على الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، بالشفاء العاجل، وينعم على شيوخ وعلماء الأزهر الشريف بالصحة والعافية وطول العمر، فإن الابتهالات والصلوات والدعوات الخيرة، نفسها، تتوجه إلى الباري، جل شأنه، بأن يحفظ الكنيسة الوطنية المصرية ، وعلى رأسها قداسة

ا تواضروس.aspx'> البابا تواضروس الثاني، ويتغمد الله بواسع رحمته باباواتها العظام الراحلين.

في مسيرتي الصحفية والمهنية، الممتدة إلى نحو أربعة عقود، كثيرة هي المناسبات التي أتيحت لي، لزيارة دول وميادين ومزارت شهيرة، في قارات العالم الستة، والالتقاء بقادة ومسئولين وعلماء ورجال دين ونجوم، في مختلف التخصصات، غير أنني أشهد بأن حالة خاصة من القنوط والخشوع والشجن تتلبسني عندما تسوقني الأقدار إلى زيارة دار عبادة، مهما كانت هويتها ووظيفتها: جامع، كنيسة، كنيس، معبد، ومهما تعددت الأديان والمعتقدات، بين بني البشر.

تلك هي الحالة الشعورية الجياشة، التي مررت بها – بصدق - منذ اللحظة الأولى لإبلاغي بتفضل قداسة البابا تواضروس بالموافقة على رغبتي في لقائه، وقد حرصت على أن أصل إلى المقر البابوي في العباسية، قبل موعد اللقاء بساعة كاملة، حتى تتاح لي الفرصة لتجاوز رهبة الالتقاء برأس الكنيسة الوطنية المصرية ، وللتآلف مع المكان وقراءة ما فيه من عبر وحكم ودروس، وروائح تاريخية "معتقة"، وأجواء روحانية متدفقة.

في قاعة الانتظار، وقع نظري على العديد من الرسومات واللوحات والمقتنيات القيمة، والصور الفوتوغرافية، فضلا عن نصوص تحكي التاريخ المجيد للكنيسة القبطية الأرثوذكسية - كنيسة وطنية حتى النخاع - على مدار 20 قرنًا من الزمان، هي المؤسسة المصرية الوحيدة، التي لم تحتل، بل بقيت وطنية خالصة، تدرك – تمامًا - مسئوليتها الروحية والاجتماعية، وتاريخ باباواتها معروف ولا يحتاج لأي دليل، فهو خط ثابت مستقيم لا تحيد عنه مهما تغيرت الأجواء ومهما تغير الحكام وتعاقبت الأجيال.

بتواضع جم، وعلى غير المتوقع، دخل قداسة البابا تواضروس الثاني، بطلته البهية، وقامته المرفوعة، وهامته العالية، وهيبته المعتادة، إلى قاعة الانتظار، لتسري نفحات من البركة في كل أرجاء المكان، وهو ما سعيت – شخصيًا - إلى تنسمها، أكثر من التفكير في إجراء حديث صحفي تقليدي.

 غير أن الرغبة العارمة، في التزود والتعلم من فيض الإيمان العميق لقداسة البابا تواضروس ، دفعتني، قبل الانتهاء من اللقاء، إلى توجيه 3 أسئلة بشكل مباشر عن مفهومه للبركة (جرى نشره في مقالي الأسبوع الماضي)، وكيف حفظت البركة مصر على مر العصور والحقب والسنين، وهو ما سأخصص الإجابة عنه اليوم.

في رده على السؤال، يقول قداسة البابا:

أنا أؤمن بأن مصر مبروكة، وقولت، في إحدى المرات، أن كل بلاد العالم في يد الله، إلا مصر، مصر في "قلب" الله، وفعلا "كده".. لتفسيرات كثيرة..

لمصر خصوصية فريدة؛ لأنها تحت عناية خاصة من الله، الذي حباها بالبركة الصريحة " مبارك شعبي مصر"، وبالتالي، فهي تخضع للقوانين الإلهية، قبل أن تنطبق عليها القوانين الأرضية.. يد الله – فقط - هي التي تضبط حياة مصر، التي عاش على أرضها السيد المسيح والعذراء مريم، وحياة المصريين مهما واجهوا من صعوبات.

الله حبا مصر بتاريخ رائع.. وجغرافيا رائعة.. وطبيعة رائعة.. وذكر- في منتهى الأهمية - في الكتب المقدسة..

مصر لها موقع الصدارة في التاريخ الإنساني، ومن هنا مصطلح: الهوس المصري أو الولع المصري (أي الولع بكل ما هو مصري) وهو وصف أطلقه الكتاب الغربيون.

سأعطي مثالا: لا توجد دولة ورد اسمها في الكتاب المقدس ذكرت بعدد الأسماء التي حظيت بها مصر، فمصر ذكرت وكذلك المصريون 700 مرة، مصر- تقريبًا - الدولة الوحيدة في العالم التي تأخذ شكلا مربعًا، ألف كيلو في ألف كيلو مربع، مصر تقع على بحرين، بحر أبيض متوسط نسميه بحر الأنهار، وبحر أحمر نسميه بحرا بلا أنهار، وفى الوسط نهر النيل، والمصريون يسكنون حوله، ووجود نهر النيل وسط البلاد يعني أن هذه الوسطية هي أهم ما يميز هذا الشعب.

نهر النيل يعلم المصريين 4 حاجات: المياه التي نشربها ونستخدمها في الزراعة والصناعة، نعتبر أن النهر هو "أبونا" والأرض المطلة عليه هي "أمنا".. لذلك توجد ثلاثية تربط المصري بالأرض.

بدارسة التاريخ، يتأكد أن الشعب المصري هو من آخر الشعوب التي هاجرت، اللبنانيون هاجروا من ثلاثة قرون، والمصريون من 50 سنة – فقط - والمصري يهاجر ويترك قلبه هنا في مصر، وربنا يحفظكم، أحيانا يوصي المهاجر المصري أولاده بدفنه في مصر.

نهر النيل، أيضًا، نأخذ منه روح الاعتدال، لأنه نهر هادئ، ونأخذ منه طبيعة الوحدة، ولأن المصريين يسكنون إلى جوار النهر، فهم "ملزقين" في بعض، وهو ما نسميه بالوحدة الوطنية، وهي ليست بفعل فاعل، ولكنها "معمولة" بفعل الله، الخالق، "خلانا" نسكن "جنب" النهر، ومن هنا ظهر المثل القائل: "إللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش" وكذلك المثل: "إللي نبات فيه نصبح فيه".

الميزة الإضافية لنهر النيل، عندما نطالع موقعه على الخريطة، نجده نهرًا واحدًا وقبل المصب بأرض مصر يصبح فرعين، وهو يشبه الإنسان الذي يرفع يديه متعبدًا بالصلاة، فنحن نتعلم العبادة من النهر، ولهذا الفراعنة والأقباط والمسلمون بنوا معابدهم ودور عبادتهم على ضفاف نهر النيل.

 روى قداسة البابا تواضروس موقفًا حدث معه: "أسرة سويدية لديها طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، سألني: هل أنت من سلالة الفراعنة؟ فأجبته: نعم، فقال الطفل: أين الدليل؟ فأخرجت له جنيهًا من جيبي.. وقلت له: هذا هو الدليل.. والجنيه توجد عليه صورة الفراعنة.

في مقالي المقبل، مفاجأة أفضيت بها - لأول مرة - لقداسته، عن سر "برج التنين" وعلاقته بـاختيار "بابا مصرالـ 118".

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

"هو تشي منه" و"خوسيه مارتي"

كلاهما أحب مصر.. فبادلهما شعبنا حبًا بحب، وبمرور الأيام، وانجلاء الحقائق، أصبح حضورهما ملء السمع والبصر، مشفوعًا بالتوقير، في قاهرة المعز.

سنة قمرية سعيدة لأصدقائنا الآسيويين

من بين بطاقات كثيرة، لبيت دعوة السفير الفيتنامي بالقاهرة، تران ثانه كونج، للاحتفال معه بحلول رأس السنة القمرية، الذي أقيم في منزله بالزمالك، مساء يوم الجمعة الماضي، وسط ما يمكن وصفه بـحشد من أسرة الجالية الفيتنامية بمصر.

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

رييوا.. 2050

اليوم، أختتم سلسلة من مقالات، بدأتها في نوفمبر الماضي، بـ إطلالة على عصر الـ"رييوا"، الجديد، في اليابان، عقب عودة من زيارة لطوكيو، تزامنت مع أجواء ومراسم احتفالية عامة أقيمت هناك لتتويج الإمبراطور ناروهيتو، وقرينته الإمبراطورة ماسكو، واستعراض موكبهما، في ضواحي العاصمة.

[x]