لماذا تفعل الخير؟!

4-7-2019 | 15:50

 

بدأ النهار في الرحيل؛ حتى انحسرت أضواؤه؛ ومع بداية الغروب؛ وانسدال ضوء القمر؛ في تمازج رائع يبين عظمة الخالق في إبداعه اللا متناهي؛ كنت أقف منتظرًا أحد الأصدقاء بجانب أحد كباري المشاة التي تعبر بهم الطريق الدائري؛ وإذا بسيدة مسنة؛ تطلب من فتاتين تقفان بمسافة قريبة من الكوبري؛ أن تصعدا بها وهي متكئة عليهما لتعبر الكوبري للاتجاه الآخر؛ وللحقيقة مسافة العبور في الظروف العادية للشخص الطبيعي قد تستغرق بضع دقائق.


ولكن في هذه الحالة الأمر يطول لمدة لا نعلم مداها؛ لأن مع بداية ولوج السيدة المسنة للسلم؛ ظهر بجلاء صعوبة مرورها بيسر! فهي تأخذ برهة للراحة مع صعود كل درجة؛ وقتها انتبهت بشدة لموافقة الفتاتين؛ وأردت أن أُشغل نفسي حتى يأتي صديقي بمتابعة هذا الموقف الجميل.

ووجدت الفتاتين؛ في حالة تركيز شديدة وحرص رائع على سلامة السيدة المسنة؛ ولم أشعر للحظة بأي تأفف منهما للبطء الشديد في حركة السيدة الفاضلة؛ بل على العكس تمامًا؛ وجدت حرصًا على سلامتها مغلفًا بهدوء ناتج عن قناعة بقيمة ما يفعلونه.

لم تمر بضع دقائق؛ حتى جاءت سيارة وقفت بجانب مطلع الكوبري؛ ونزل قائدها متحدثًا إلى الفتاتين والسيدة مطالبا إياهم بالنزول مرة أخرى؛ قبل أن يصعدا بقية الدرجات؛ ليقوم الرجل بتوصيل السيدة بسيارته للاتجاه الآخر؛ رفقًا بحال السيدة المسنة؛ ولم تمر سوى دقيقةٍ تقريبًا؛ انتهى فيها نقاش الفتاتين والسيدة بنزولهم الدرج؛ و ساعدا السيدة في ركوب السيارة؛ حتى انطلقت لعبور الطريق الدائري ومنه للجهة الأخرى.

انتهى الموقف؛ وأخذت أسأل نفسي؛ لماذا جاء الرجل بسيارته ليأخذ السيدة المسنة ويعبر بها الطريق وهي مسافة ليست قصيرة؛ وماذا فعلت السيدة المسنة ليسخر لها الله هذا الرجل المتلهف لفعل للخير؛ وما هذا التسامح والسمو في التعامل الذي أظهرته الفتاتان؛ وهما يسعيان ليعبرا بالسيدة كوبري المشاة.

تذكرت وقتها حوارًا؛ رواه لي أحد الأصدقاء حينما كان يركب ميكروباصا ذاهباً لعمله؛ وبعد أن بدأ في التحرك؛ سمع السائق يقول؛ من لا يستطيع دفع الأُجرة؛ لا يدفعها؛ هكذا بكل بساطة؛ فقال لي تعجبت من فعل السائق؛ وانتظرت أن أجد تفسيرًا؛ حتى نزل تقريبًا كل الركاب وبقيت أنا؛ فدنوت منه؛ لأسأله؛ عذرًا سيدي لماذا قلت من لا يستطيع دفع الأُجرة لا يدفعها؛ فقال رأيت أحد الركاب؛ ينظر في يديه لفترة طويلة وشعرت أنه لا يملك ما يكفيه؛ ففضلت أن أحفظ له ماء وجهه؛ ووهبت أجرته لله.

فهذه الجنيهات القليلة التي سامحته فيها؛ قد تنفعه لعمل شيء آخر؛ أما أنا فمن الممكن أن يرزقني الله بركاب آخرين يعوضونني.

أما المقولة الأهم التي قالها السائق لصديقي فكانت: "منذ قررت الرأفة بحال الناس وتكرار ما فعلته اليوم؛ لم أُصب بضائقة مالية على الإطلاق؛ بل وأزيد؛ في اليوم الذي يحدث فيه مثل ما حدث اليوم؛ يحدث لي شيءٌ جميلٌ؛ كأن يزورنا أحد في البيت ومعه بعض من الحلويات؛ أو الفاكهة .. إلخ.

وأثق أن عند حضراتكم كثيرًا من القصص يمكن أن تُعضدَ ما سبق؛ وهذا يعني أن هناك أُناسًا يتسابقون لفعل الخير لوجه الله؛ ولا ينتظرون مقابل من شخصٍ أو مخلوق؛ لأنهم على يقين كامل؛ وأُؤكد "كامل" أن الخالق يملك خلقه كما يملك ما يملكون؛ وأنه يسبب الأسباب؛ لفعل ما يريد.

فإن سعيت في خير؛ ستجده يأتيك وقت احتياجك له؛ والله أعلم منك بهذا الوقت؛ وإن سعيت في شر؛ سيأتيك في وقت تعلم منه أنه جاءك نتيجة مسعاك.
لذلك افعل الخير ولو في غير أهله ؛ لأنك تفعله لوجه الله؛ وسيُرد إليك وقت حاجتك إليه؛ ولا تسعى لفعل الشر تجنبًا لعدم وصوله إليك.

وأعلم أنك دائمًا في حاجة لوصول الخير إليك؛ فإذا أردت الخير فكن من أهله؛ فإن لم تفعله أنت سيفعله غيرك وسيأتيه؛ كما سيسخر الله له الأسباب التي تحمل إليه خيرًا بقدر الخالق وليس بقدر المخلوق.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

هل تتأجل امتحانات الثانوية العامة مرة أخرى؟

غيرت جائحة كورونا كل المفاهيم والأنماط السائدة؛ ولما لا وهي حدث فريد من نوعه؛ ربما لا يتكرر مرة أخرى خلال هذا القرن على الأقل؛ وبات التعامل معها مشوباً بالحذر والحرص البالغين؛ فهي لا تستثني أحدا؛ والجميع معرض للإصابة بها.

فما ابتلاك إلا لأنه أحبك

ونحن على أعتاب نهاية الشهر الكريم؛ بفضائله ونعمه التي لا تٌحصى؛ وكلٌ منا يتقرب إلى الله سبحانه و تعالى بالعبادات والنوافل؛ في سباق لحصد أجر طال انتظاره؛ كما طال الشوق له.

أعمال تدخل بها إلى الجنة

مع زيادة عدد سكان الكرة الأرضية؛ وتجاوزها لما يفوق الـ 8 مليارات نسمة؛ ومع جائحة كورونا؛ وما تفعله بنا؛ حتى جعلت التباعد سمة الحياة الأفضل؛ تجنبًا للإصابة؛ ومن ثم حفظًا من الوفاة؛ لأنها الناتج الطبيعي للإصابة بفيروس كورونا.

طلاب التعليم الدولي يستغيثون

لم تستثن كورونا أحدًا؛ فأمسي الجميع كبيرًا وصغيرًا تحت رحمتها؛ بعد أن تخطت كل الحدود وجاحت؛ فضربت كل جوانب الحياة؛ وأتت أثرها بوضوح؛ حتى صار التباعد منهج الحياة؛ وما خلفه ذلك من نتائج كارثية.

كيف تعبد الله في رمضان؟!

العلاقة بين العبد وربه؛ هي أكثر العلاقات خصوصية على وجه الأرض؛ فسبحانه وتعالى؛ أقرب إليه من حبل الوريد؛ وأرحم عليه من الخلق جميعًا. ومع ذلك نرى جدالًا بدأ منذ قرون عديدة؛ وأخذ أشكالًا مختلفة على مدى السنين الماضية.

لا بديل عن نشر الوعي

ما حدث في قرية شبرا البهو بمحافظة الدقهلية مؤلم، ليس فقط على مستوى أسرة الطبيبة المتوفاة بسبب فيروس كورونا عليها رحمة الله، وإنما على مستوى الوطن بأكمله.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]