الدولة تحتضن "المشردين".. 1125 مواطنا ودعوا الشارع في 5 أشهر واستقبلوا "حياة كريمة"

29-6-2019 | 18:08

الدولة تنقذ المشردين

 

داليا عطية

تجمعوا في شوارع البلاد وميادينها واتخذوا من أرصفة الطرقات مأوى لهم من مشكلات تطاردهم منها الاقتصادية والاجتماعية والصحية وأخيرا النفسية.. إنهم "المشردون" أو كبار السن في وضعية الشارع، هؤلاء المواطنين الذين ضاقت بهم منازلهم وصدور ذويهم ففروا إلى الشارع كملاذ لمشكلاتهم فاحتضنهم الشارع بقسوته وأمراضه ومخاطره ليشكل منهم كتلة بشرية تعاني الفقر والمرض والجهل وعدم الأمان.

تلك أسباب كافية لنفور صاحبها من المحيطين به ومن المجتمع بل من نفسه ومن الحياة لينتهي به الحال باكتئاب يقوده إلى الانتحار أو ممارسة العنف ضد الغير نتيجة استغلاله أو الموت وحيدًا على إحدى الأرصفة دون أحد ينعيه أو يذكره.

الدولة تحتضن المشردين

نقطة ضعف المجتمعات

في النهاية تتحول تلك الكتلة البشرية "المشردين" إلى نقطة ضعف للمجتمعات؛ حيث انتشار الأمراض والتسول من أجل سد الجوع ما يسيء إلى سمعتها فضلًا عن حالة من الإحباط النفسي تصيب هؤلاء إضافة إلى أفراد المجتمع الذين يشاهدون هؤلاء في وضعية مؤسفة تنزع منهم الأمل في غد أفضل بل وتحيط بهم اليأس والإحباط.


الدولة تحتضن "المشردين"
في توجه إنساني بحت من القيادة السياسية أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسي، مبادرة حياة كريمة في يناير الماضي؛ لانتشال هؤلاء المواطنين من ظلمات الشارع ومخاطرة إلى مؤسسات رعاية اجتماعية توفر لهم حياة آمنة وكريمة يستحقونها كأفراد في هذا المجتمع.

الدولة تحتضن المشردين


الحكومة تبحث عنهم
تزامن إطلاق المبادرة مع عمل برنامج أطفال بلا مأوى، الذي أطلقته وزارة التضامن الاجتماعي لنقل أطفال الشوارع إلى مؤسسات رعاية اجتماعية، وذلك بتوجيهات رئاسية ومن ثم وجهت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، بنقل كل من هو في وضعية الشارع سواء كان طفلا أو شابًا أو مُسنًا إلى دور رعاية؛ فأطلقت الوزارة وحداتها المتنقلة، والتي بلغ عددها 17 سيارة، أصبحت تجول في شوارع وميادين الجمهورية على مختلف المحافظات؛ للبحث عن المشردين تلك مهمة إنسانية بحتة كلفت بها الرئاسة وعملت على تنفيذها الحكومة وتعاظم أثرها في نفوس المواطنين بلا مأوى، وأيضا في نفوس بقية أفراد المجتمع، حيث شعروا بالأمان واحتضان الدولة لكبار السن ضعاف الحركة والصوت.

الدولة تحتضن المشردين


في 5 أشهر.. 1125 مشردًا ودعوا الشارع
وفي محاولة لرصد ما حققته مبادرة حياة كريمة منذ إطلاقها في يناير الماضي، وحتى مايو الماضي، تبين أن فريق عمل وزارة التضامن الاجتماعي والمكون من 3500 فرد على مستوى محافظات الجمهورية تعامل مع 9 آلاف مواطن بلا مأوى وتمكن من انتشال 1125 منهم إلى مؤسسات رعاية اجتماعية لاستقبال حياة كريمة وآمنة، وذلك بحسب الأرقام التي حصلت عليها "بوابة الأهرام" من وزارة التضامن الاجتماعي وفق أحدث إحصائية حول عدد المواطنين بلا مأوى الذين استضافتهم مبادرة حياة كريمة.


التضامن تطلق جنودها
وفي تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام" قال حسني يوسف، رئيس برنامج أطفال بلا مأوى، أن هناك توجيهات مشددة من وزيرة التضامن بالتعامل مع أي مواطن في وضعية الشارع وتوفير مأوى آمن له من خلال مؤسسات الرعاية الاجتماعية، كما أن الدولة تعمل على معالجة أسباب تواجدهم في الشارع، لافتًا إلى الفقر كأحد أقوى هذه الأسباب وأن الدولة تحارب ذلك من خلال إطلاق العديد من برامج الحماية الاجتماعية كمعاش تكافل وكرامة وغيره ما يضمن زيادة دخل للفئات الأكثر احتياجًا: "أطلقنا جنودنا من الشباب للعودة بآبائهم الذين قست عليهم الحياة فاستوطنوا الشارع".

الدولة تحتضن المشردين

قضية إنسانية
قديمًا كانت تتبنى الحكومات المتعاقبة في الدولة المصرية عدة قضايا اجتماعية من منطلق سد المآرب أو تحسين صورتها الذهنية أمام المواطنين، إلا أننا ولأول مرة نرى اهتمامًا حقيقيًا بقضية موجعة ومؤلمة ليس الغرض منها الشو أو الاستهلاك المحلي من أجل الحصول على مكتسبات وقتية وهي قضية إيواء المسنين التي تبنتها الدولة مؤخرًا، والتي تعد من أهم مكتسبات المواطن المصري بصفة عامة وليس المسن فقط، والتي كانت نتاج لثورة 30 يونيو المجيدة.

آلام "المشردين"
بحسب حديث الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي لـ"بوابة الأهرام"، يعاني المسن من مجموعة من الأعراض التي تنأى عن حملها الجبال ولا يشعر أحد بها غيره ولا يستطيع أحد التعامل معها، إلا من خلال جهود منظمة وموجهة وهادفة، فجميع المسنين يعانون من ضعف وضمور في عضلات الجسم مع التغيرات في المفاصل وخاصة فقرات الظهر ينشأ عنها بطء شديد في الحركة والمشي وانحناء في الظهر، بالإضافة إلى الخلل في الحواس فتقل الرؤية والسمع وحاستي التذوق والشم لدى المسن.

الدولة تحتضن المشردين

قلة حيلة
كما يعانون أيضًا من الضعف في القوى العقلية ما يؤدي إلى النسيان والفقدان النسبي للذاكرة بل والإصابة بالزهايمر في بعض الأحيان، كما أن هناك ما يعرف بالشيخوخة المرضية، وهي تلك الأمراض التي تصيب المسنين فتسبب لهم نوعًا من العجز أو الإصابة مما يستدعي العلاج بالمستشفيات أو العيادات الخارجية مع بعض من التأهيل فغالبًا ما يصاب المسن بأمراض القلب وتصلب الشرايين وأمراض الجهاز التنفسي والأورام السرطانية، بالإضافة إلى الإصابة بأمراض الجهاز البولي والتناسلي وأمراض الجهاز العصبي والمخ مع خلل في الجهاز الحركي.

مشكلات نفسية
بالإضافة مما يعانيه المسن من مشاكل نفسية جمة والمترتبة على إصابتهم بتلك الأمراض كالخلل الشديد في الإحساس وفقدان الذاكرة وتقلب المزاج والاكتئاب النفسي وأعراض الانسحاب الاجتماعي وفقدان الرغبة من الحياة والقلق الشديد من الموت والتفكير المستمر بخبرات ما بعد الوفاة كتحلل الجسد وخلافه.

الدولة تحتضن المشردين

مبادرة حياة كريمة
تشير أحدث الإحصائيات، أن 90% من الحوادث التي يتعرض لها المسنين تكون ناجمة عن السقوط والحروق والتسمم بالغاز وهو ما تم تلاشيه عند إيواء هؤلاء المسنين في دور الرعاية تمهيدا لتوفير حياة كريمة التي تبنتها الدولة من خلال مبادرة أطلقتها تقوم فيها بالكشف الدوري على المسن والعمل على حل مشاكله الاجتماعية كالتواصل الإنساني بينه وبين أقاربه أو ما تبقى من جماعة الرفاق لديه مع توفير الرعاية النفسية للمسن بل والترفيه والتسلية والعمل على شغل أوقات فراغه، بالإضافة إلى تقديم إرشادات الصحة الأولية له، بالإضافة إلى تقديم خدمات طبية تقدمية متمثلة في بعض العمليات الجراحية باهظة الثمن والتعاون مع عدة وزارات معنية أخرى لتقديم خدمات لهم كالضمان الاجتماعي.

الدولة تحتضن المشردين

تجديد طاقات الأمل
على ضوء ذلك يقول استشاري الطب النفسي، أن مبادرة حياة كريمة لها مردود نفسي واسع على المواطنين بلا مأوى، الذين تستهدف توفير حياة كريمة لهم، وهو ما يقضي على وحدة المُسن النفسية، ويبدد مثيرات القلق لديه ويولد لديه الشعور بالرضا ويجدد لديه طاقات الأمل ويزيد من جودة الحياة لديه ويجعله يستمتع بأكبر قدر من الصحة النفسية والجسدية فيما تبقى له من العمر.

إعادة الشعور بالآدمية
ويضيف أن انتشاله من الشارع والنوم على الأرصفة يجعله يشعر بآدميته وإنسانيته وينأى به من التعرض للعديد من المواقف التي قد تهدر من كرامته الإنسانية وتحميه أيضًا من الإصابة بالعديد من الأمراض المستوطنة نتيجة النوم في الشارع كالجرب وغيرها بل إنها قد تقلل من جريمة سرقة الأعضاء والإتجار بالبشر لدى فئة المسنين.

الدكتور وليد هندي

احتواء مثمر
يتابع استشاري الطب النفسي حديثه لـ"بوابة الأهرام" فيقول ما يحسب للدولة، إنها قد تبنت قضية متعلقه بالمهمشين في المجتمع لا يملكون أصواتا انتخابية يسعى لشرائها ولا يملكون صفحات عبر السوشيال ميديا تعبر عنهم بل لا يملكون صوتا إعلاميا واحدًا يعبر عما يعتريهم من آلام وبالرغم من كل هذا أنفقت عليهم الدولة من المال بالتنسيق مع صندوق تحيا مصر، وأولت لهم رعاية خاصة دون انتظار لكلمة ثناء واحدة بل من منطلق شعورها بأهمية المواطنة وحقوق المواطن أيا كان عمره أو جنسه.

تعزيز الانتماء للوطن
ويشير إلى بقية أفراد المجتمع فيقول، إن مشاهدة الدولة وهي تتحرك تجاه هؤلاء المواطنين ضحايا الفقر والمرض وقلة الحيلة يعزز من الشعور بالانتماء لدى جموع المواطنين الذين قد يتعرضون لنفس تلك الظروف في المستقبل بل إن مشاهدتهم لمواقف الدولة تجاه هؤلاء المسنين تعزز لديهم شعور الولاء والانتماء للدولة ويبدد مخاوفهم من تقلبات الحياة التي قد تحدث لأي إنسان في مراحل عمرية متقدمة: "مبادرة حياة كريمة احتواء مثمر للمشردين".

تجنب أزمة مستقبلية

جدير بالذكر، أن توجه الدولة لإيواء كبار السن "المشردين" وتوفير حياة كريمة لهم داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية هو توجه إنساني بحت يؤتي ثمارًا طيبة على كل من الحالات التي يتم انتشالها من الشارع ومخاطره وأيضًا بقية المواطنين الذين يتأثرون نفسيًا بما تفعله الدولة من مد يد العون لهؤلاء المواطنين بلا مأوى، ولكي يستمر ذلك يجب تخصيص ميزانية لـ "المشردين" من كبار السن، إذ أن وزارة التضامن الاجتماعي تنفق عليهم منذ نقلهم من الشارع وحتى إيوائهم في مؤسسات رعاية اجتماعية من المخصصات المالية الموجهة لبرنامج أطفال بلا مأوى، كما أن هناك احتياجًا يجب ألا نغفله قد يظهر في المستقبل وهو التوسع في البنية التحتية وتوفير مزيد من مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي من شأنها استقبال هؤلاء المواطنين واحتضانهم.

فالبنظر إلى عدد الحالات التي استقبلتها مؤسسات الرعاية الاجتماعية في 5 شهور منذ يناير الماضي، وحتى شهر مايو، والتي بلغت 1125 حالة من أصل 9 آلاف حالة تعامل معهم جنود "التضامن الاجتماعي" فإن المنطق يشير إلى البنية التحتيه وهنا يجب السؤال: "هل مؤسسات الرعاية الاجتماعية التابعة للوزارة لديها القدرة لاستيعاب هؤلاء المواطنين واستقبالهم أم أنها بحاجة إلى مزيد من التوسع؟"، لعل في إجابة هذا السؤال تجنب أزمة مأوى في المستقبل وضمانًا لاستمرار الحكومة في إيواء "المشردين" وتوفير حياة كريمة لهم.

اقرأ ايضا: