صفقة العدل١٠ تريليون دولار أمريكية للعرب

27-6-2019 | 21:21

 

أصدق توصيف لورشة البحرين هو "الصفقة"؛ وهي لغة السمسرة والبورصات، ومن المؤسف أن تتحول قضية سياسية لقضية إنسانية يجتمع من أجلها بعض المحسنين بعد تسعير كل المعاني والقيم الإنسانية؛ فهناك سعر للشهيد وسعر للمصاب وسعر للاجئ وسعر لمتر الأرض في الوطن!! في مشهد يعيد للأذهان "شيلوك" في تاجر البندقية.

وحين يريد "ترامب" مساعدة الفلسطينيين بالمال للعيش بشكل أفضل، فهو يتحدث عن "صدقات" لتجمع أفرادًا، وليس عن شعب له حق ثابت في وطن لا يمحوه زمن.

ومن المعروف أن "عراب" صفقة "ترامب" هو صهره ومستشاره "جاريد كوشنير"، وهو نفسه من يمسك بأعمال كثيرة لعائلة "ترامب"، وهو يتصرف بعقلية رجل الأعمال المستعد لفعل أي شيء لإتمام صفقته.

وعكس ما يشاع عن "كوشنير"، فإن هناك تقارير تؤكد أنه لا يدرك أصول وقواعد السياسة؛ حيث اكتشف أعضاء فريق "ترامب" أنه لم يكن يعرف ماذا يقال في أغلب الاجتماعات، وأن صمته المخادع كان نتيجة جهله بكثير من القضايا السياسية؛ ولذا فإنه لم يقدّم أي مفاجأة، ولا سيما أن الترويج الذي سبق «الورشة الاقتصادية» فاقها صخبًا وضجيجًا، إلى حدّ أنه يبدو، حتى الآن، أضخم من الحدث ذاته، خاصة أن خطوات السلام أو المشهد النهائي سر لا يعرفه سوى "ترامب ونتنياهو"؛ ولذا فإن ورشة البحرين تذكرنا بالمسابقات القديمة لملكة جمال الولايات المتحدة؛ حيث تلقي المرشحة خطابًا حول أهمية السلام في العالم تليه تصفيقات حارة، وصحيح إنه لا أحد سيعارض عبارات ومشاعر نبيلة كهذه.

لكن لنكن واقعيين فما يريد الجمهور ولجنة التحكيم معرفته هو كيف ستكون المرشحة وهي ترتدي ملابس السباحة وقد ازداد الأمر سوءًا في ختام الورشة الغامض، وغير معروف سوي الكلام عن استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في اقتصادات فلسطين ومصر والأردن ولبنان، بمفهوم «السلام من أجل الرخاء».

ولا تخفي واشنطن نيتها، فلن تكون هناك أموال إذا لم توافق جميع بلدان المنطقة على مبادرات السلام، لكن أحدًا في المنطقة لا يريد الموافقة على خطة تعد بالاستثمارات، من دون معرفة المقابل السياسي الذي ستطلبه واشنطن.. وهو ما دافع وزارة الخارجية الفلسطينية، للقول، إن خطاب “كوشنير” في ورشة البحرين، استكمال للمخطط الأمريكي الهادف لتغيير مرجعيات السلام، والتخلي عن المرجعيات التي تعتمد على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، واستبدالها بمرجعيات جديدة تسقط الثوابت الأساسية التي يعتمد عليها الحل السياسي، وحتى بمنطق الصفقات فقد تسببت السياسات الأمريكية في تدمير أربعة دول على الأقل بحروب ظالمة في العراق وسوريا واليمن وليبيا، والأمر كذلك مطلوب نحو عشرة تريليونات - على الأقل - لإعادة ما هدمته آلة الحرب الأمريكية، ذلك بخلاف الشهداء والمصابين واللاجئين؛ ففي سوريا سقط نحو مليون قتيل، وفر أكثر من ٨ ملايين بعد إصابة أكثر من ٤ ملايين سوري بإصابات مختلفة.

وقدر البنك الدولي تكلفة الخسائر بأكثر من ١١٧٠ مليار دولار، كما أن الحرب الأمريكية الظالمة على العراق دمرت بنيته التحتية، وأعادته عشرات السنوات للوراء، ويكفي أن نفط هذا البلد مرهون لديون وتعويضات مفروضة عليه لمدة ٨٤ سنة، وتقدر خسائر العراق من تلك الحرب بنحو تريليون و٢٥٦ مليار دولار، هذا غير القتلى والمصابين، خاصة ممن أصيبوا بعاهات من اليورانيوم المشع الذي كانت القوات الأمريكية تستخدمه، غير أكثر من أربعة ملايين مهاجر.

فيما رجحت مصادر كثيرة مقتل مليونين وأربعمائة ألف عراقي خلال سنوات الغزو وأعمال العنف المختلفة التي تولدت عنه.

فقد فتح الغزو الأمريكي للعراق أبواب الجحيم على هذا البلد، على حاضره ومستقبله، بل وماضيه أيضًا، وذلك إذا ما أخذنا بالاعتبار الآثار الإضافية لتلك الحرب على الميزانية والاقتصاد الأمريكيين.

وفِي ليبيا التي راحت المقاتلات الأمريكية مع ما سمي بقوات التحالف تقصفه لمدة ثمانية أشهر أدت لهجرة ثلث الليبيين فيما سرق نحو 280مليار دولار، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة غير مسبوقة".

وفي كل الأحوال لو كان هناك أي فائدة مما جرى، فقد كان هناك إجماع فلسطيني رائع لأول مرة من سنوات على رفض الورشة من كل الأطراف؛ مما دفع أبومازن بكل جراءة إلى سحب السفير الفلسطيني من البحرين اعتراضًا على استضافتها الورشة.

وبسبب الرفض الشعبي العربي الجارف لم يستطع "عراب" الصفقة "كوشنير" التصريح بكلمة واحدة عن تبادل أراض أو التنازل عن أراض؛ ولكنه ذكر جملة "استيطان الفلسطينيين في أرض المشروع" ثلاث مرات، كما حرصت كل من المغرب والأردن على إصدار بيان ليلة الورشة أنهما لن يقبلا سوى بدولة فلسطينية على حدود 67، وعاصمتها القدس الشرقية..

وهذا بالطبع ينسف كل مقترحات الورشة من أساسه، ومن موسكو قال سامح شكري إن مصر لن تتنازل عن حبة رمل واحدة من سيناء.. ولكنه لم يبين موقف مصر من الاستثمارات التي يدعو إليها "كوشنير".

مقالات اخري للكاتب

اطلبوا النهضة ولو من بوروندي

​في السادس من أبريل من عام 1994، أصاب صاروخان الطائرة الرئاسية الرواندية أثناء اقترابها من مطار كيجالي الرواندي؛ مما أدى إلى سقوطها على الأرض، ومقتل جميع

مدرسة ماسبيرو الوطنية

مبنى ماسبيرو الشهير الكائن على ضفاف كورنيش النيل، وهو مقر التليفزيون المصري من أقدم التليفزيونات الحكومية في الشرق الأوسط وإفريقيا وماسبيرو، وسمي على اسم

تجديد الخطاب الثقافي

​جاء رجل للإمام الغزالي وقال: ما حكم تارك الصلاة؟ قال: حكمه أن نأخذه معنا إلى المسجد، والحسن والحسين - رضي الله عنهما - لما رأيا رجلًا كبيرًا يتوضأ خطأ قالا له: "نريدك أن تحكم بيننا مَن فينا الذي لا يُحسن الوضوء، ولما توضآ أمامه ضحك وقال: أنا الذي لا أحسن الوضوء.

في الذكرى التاسعة للخراب العربي

بالرغم من أن كارثة ما سمي بالربيع العربي لا تزال ساخنة وآثارها باقية وممتدة ربما لعقود، لا يزال هناك نفر من الفوضويين وبعض الدول تتغنى بالفوضى الشاملة التي عمت المنطقة تحت شعارات الثورة والتغيير

البورصة تحارب الاستثمار بملاليم الضرائب

لا يمكن أن تكون البورصة في هذا البلد معبرة عن التطور والتنمية والمشروعات العملاقة؛ حتى إن قيمة الجنيه المصري واصلت الارتفاع أمام الدولار، في نفس الوقت الذي كانت مؤشرات البورصة سلبية.

الوعي الغائب في تسويق الكمين للحرب

يحتار المرء في الوصف الأنسب للمرحلة الحالية، هل هو؛ الفوضى الخلاقة؟، أو الشرق الأوسط الجديد؟، أو الحرب بالوكالة؟، أو حرب سنية – شيعية؟، أم هو ترتيب موازين القوى بشكل جديد تعتبر الفوضى إحدى وسائله؟، أو كل ما سبق؟!

مادة إعلانية

[x]