مقال رئيس التحرير

المارد يلتهم أردوغان

24-6-2019 | 19:02

 

تتوالى سقطات وانهيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي لم يكف يومًا عن بناء قصور واهية على الرمال خلال السنوات الماضية، والركض خلف أوهام وخيالات وهلاوس أفقدته توازنه النفسي والعقلي والسياسي، ودفعته لتجاوز كل الأعراف والتقاليد المتبعة والمرعية في العلاقات بين الدول بوقاحة وصفاقة منقطعة النظير.

وانتهى به المطاف للوقوع فريسة ولقمة سائغة "لمارد المعارضة" في بلاده الذي لقنه درسًا قاسيًا عبر نتائج انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول، التي فتحت الباب لكتابة كلمة النهاية لحقبته السياسية الممتدة لنحو عقدين، وحكم فيها البلاد بالحديد والنار.

نعم يا سادة لقد التهم المارد أردوغان، ويُوشك أن يُجهز عليه، ويُحوله إلى أثر بعد عين، ولِمَ لا وأردوغان نفسه هو من قرر باختياره المحض وضع شعبيته وحزب "العدالة والتنمية" الذي أسسه في اختبار حاسم ومفصلي بقوله: "من يفز بإسطنبول يفز بتركيا".

وها هو ذا مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، يفوز بالرهان ويؤكد استحقاقه وشعبيته الجارفة لدى الجماهير التركية العريضة بفوزه برئاسة العاصمة الاقتصادية لتركيا البالغ عدد سكانها ١٥ مليون نسمة، ويسيطر عليها حزب "العدالة والتنمية" منذ سنوات طويلة، وكانت نقطة الانطلاق الكبرى لأردوغان التي أوصلته لرئاسة الوزراء ومن بعدها لسدة الرئاسة.

 وتبين - نتيجة اقتراع إسطنبول - أن الناخبين الباحثين عن طوق نجاة ينتشلهم قطعوا الطريق على كل محاولات الالتفاف والخداع التي مارسها ـ ولا يزال ـ أردوغان، ليمنع أوغلو من الفوز، وتقديري أن أردوغان سيعاني بشدة في الأسابيع القادمة من جراء فوز أوغلو؛ لأن السبيل بات ممهدًا لظهور منافس قوي له سيصبح بإمكانه القضاء على "أسطورة أردوغان" قضاء مبرمًا، والساحة الداخلية مهيأة ومعدة تمامًا لهذا الاحتمال الذي أضحى أقرب مما يتصور أردوغان والذين معه، وذلك للأسباب الآتية:

أولًا: استنفاد أردوغان حيله وألاعيبه التي طالما داعب وأوهم بها الرأي العام التركي، ومنها أن المؤامرات تحيط بتركيا، وأن الدولة العميقة تحاربه، وتسعى للإطاحة به والإجهاز على تجربته الثرية والرائدة في الحكم، وإعاقة انطلاقاتها الاقتصادية والمالية، وأن الغرب يعانده ويعمل ضده على طول الخط.

وبناء على هذه الحيثيات الافتراضية، أباح أردوغان وأطلق لنفسه العنان - وبجموح - لانتهاكات لا تتوقف للحريات العامة وحقوق الإنسان، والتضييق على حرية التعبير، واعتقال الآلاف والزج بهم في السجون اعتمادًا على شبهات واتهامات لا سند لها، وفصل عشرات الآلاف من وظائفهم، وغيرها من المخازي التي ارتكبها بلا حياء أو ضمير، وتمادى في الغي والازدواجية، بإعطاء الآخرين دروسًا حول الديمقراطية ووجوب احترام حرية التعبير، والأكثر من ذلك التدخل السافر في الشئون الداخلية للدول الأخرى، فضلا عن استضافة قيادات جماعات إرهابية، في مقدمتهم "جماعة الإخوان" التي تنبهت العديد من دول العالم لخطرها، وتدرس تصنيفها كـ"جماعة إرهابية".

ثانيًا: أن المواطن التركي سئم وضجر من وتيرة تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية المتسارعة، وانهيار سعر صرف الليرة التركية، وضيق الأفق السياسي المهيمن عليه حزب "العدالة والتنمية"، الذي يتعامل مع خصومه ومنتقديه بلغة العنف والترهيب فقط، مثلما فعل مع أكرم أوغلو؛ من خلال رسائل تهديد مباشرة، ومساعٍ متواصلة لتشويه صورته، وبث الشائعات من حوله.

كما فاض الكيل بالأتراك من تفرغ أردوغان لما يدور في البلدان الأخرى على حساب الشئون الداخلية، ورعاية نظامه للإرهابيين من تنظيم "داعش"، ومعالجتهم في المستشفيات التركية - تحت بصر وسمع ومباركة حكومته - وتشويه صورة تركيا إقليميًا ودوليًا بسبب أفعال ومواقف أردوغان المتناقضة والمتضاربة.

كل هذا سحب من رصيده ورصيد "العدالة والتنمية" الذي بات يشكل استمراره في السلطة عبئًا ثقيلًا على الشعب التركي، ويلف مستقبله بظلال كثيفة من الغيوم وانعدام الرؤية، لا سيما وأنه يهيمن على الحكم منذ ربع قرن، ولا يتوانى عن إجهاض كل الجهود الساعية للعثور على بديل سياسي مناسب له إلى أن ظهر أوغلو الذي ينظر إليه البعض باعتباره المخلِّص المنتظر لتركيا من براثن أردوغان و"العدالة والتنمية".

لقد جربت تركيا هذيان وشطحات أردوغان الذي أوردها مورد التهلكة، جريًا وراء وهم الخلافة العثمانية وأمجادها الغابرة، وكان يظن أنه سيكون الخليفة المرتقب، لكن وقوف مصر في وجه "جماعة الإخوان" الإرهابية - التي يدعمها ويناصرها - اذهب عقله، وجعله لا يتورع عن الكيد والتآمر ضدها، وما زاده جنونًا ما أنجزه المصريون إبان السنوات الست الماضية، وانكشاف دور أنقرة المشبوه في دعم الجماعات الإرهابية في المنطقة.

وصدق أوغلو بتصريحه أن فوزه يشكل بداية جديدة لتركيا، التي سوف تشهد تطورات أكثر من درامية في الفترة المقبلة، وسيحصد خلالها أردوغان ما زرعته يداه من تخريب ودسائس ضد الدول الأخرى.

مقالات اخري للكاتب

ألاعيب الحواة

ألاعيب الحواة

مصر وسط الكبار

​شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي، في حدثين كبيرين لهما ثقلهما ومكانتهما البارزة عالميًا، هما قمة مجموعة الدول السبع بفرنسا، ومؤتمر "تيكاد ٧" باليابان، وخلالهما

أبطال كرة اليد

عن جدارة واستحقاق، فاز ناشئو كرة اليد ببطولة كأس العالم، وكانوا سببًا في شعور المصريين بفرحة غامرة، بعد إنجازهم التاريخي غير المسبوق في هذه الرياضة، وتضاعفت

فاسدون بامتياز

بخلاف العنف المتأصل والمتجذر في تركيبة جماعة الإخوان الإرهابية، منذ نشأتها الإجرامية والمريبة في نهايات عشرينيات القرن الماضى، فإن الفساد يشكل ملمحا بارزا

رسالة تفاؤل

كلما انعقدت نسخة جديدة من مؤتمر الشباب، تتدفق شحنات من الأمل والتفاؤل، تؤكد أن لدينا كوادر شبابية واعدة مصرة على صنع مستقبل أفضل لوطنها ولأنفسها، تشد من أزرهم وتدعمهم قيادة سياسية وضعت ثقتها الكاملة في هؤلاء الشباب..