الإصلاح الاقتصادي والمجتمع وتجربة التنين الصيني (13)

23-6-2019 | 15:01

 

تعد الإصلاح الاقتصادي .aspx'> تجربة الصين في

rch/الإصلاح الاقتصادي.aspx'> الإصلاح الاقتصادي من المنظور البيئي الشامل ومن خلال التقييم البيئي ، هي الأهم على الإطلاق في العصر الحديث لعدة أسباب:

1 - اقتصاديا - حققت الصين معجزة اقتصادية خلال أربعين عاما فقط، حيث كانت الصين عام 1979 تعاني من التخلف والفقر الشديد، وكان متوسط دخل الفرد نحو 26 دولارا شهريا، والنمو الاقتصادي سلبيا بمعدل تجاوز 1%، وفي نحو أربعين عاما وصل متوسط الدخل إلى نحو 1400 دولار شهريا، وتراوحت معدلات النمو ما بين 7 و10% سنويا، وأصبح الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا، والمتوقع أن يصبح الأول خلال سنوات قليلة؛ حيث بلغت الاستثمارات الصينية داخل أمريكا بعام 2017 نحو 46 مليار دولار، كما اشترت الصين نحو19% من السندات الأمريكية بقيمة تتجاوز تريليون دولار، مما مثل إزعاجًا وقلقًا كبيرًا داخل أمريكا لقدرة الصين على إلحاق الضرر الكبير بالاقتصاد، ولذلك أعلن ترامب أن حصول الصين على نحو 500 مليار من التصدير للسوق الأمريكية أمرا لم يعد مقبولا ويمثل تهديدًا كبيرًا للاقتصاد، ومن هنا بدأ في فرض ضرائب على المنتجات الصينية، وأعلن رفضه لحرية السوق، مطالبًا بعدالة السوق.

2- اجتماعيًا - كان النجاح أكثر إبهارًا؛ حيث انخفضت نسبة الفقر من نحو 50% إلى 3% فقط في أقل من أربعين عامًا، وأنقذت الصين نحو 850 مليون مواطن من الفقر وأصبحوا في نطاق الطبقة الوسطى، ولذلك ارتفع حجم وقوة الطبقة الوسطى في المجتمع وهي الطبقة التي تنعكس قوتها أو ضعفها على مستوى الخدمات من تعليم إلى صحة إلى أمن وصناعة وزراعة وغيره، فحدثت نهضة كبرى في كافة خدمات المجتمع مع شمول وجودة كل هذه المجالات ومع نجاح كبير في القضاء على الفساد.

3- تكنولوجيا – كانت الصين تعاني من التخلف بكافة صوره؛ وخاصة في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والآن وصلت الشركات الصينية إلى قمة التكنولوجيا لدرجة أزعجت أمريكا والغرب، وعلى سبيل المثال تتقدم شركة هواوي الصينية في تكنولوجيا الجيل الخامس على الشركات الأمريكية؛ مما اضطر أمريكا إلى اللجوء لمواجهتها بنشر شائعات عن تجسس الشركات الصينية وغيرها من وسائل غير أخلاقية لوقف هذه النجاحات، كما نجحت الصين في تصنيع طائرات تجارية أفضل وأرخص من شركة بوينيج الأمريكية وإيرباص الأوروبية، مما يهدد مصالح كبرى الشركات العالمية، لذلك يتوقع البعض مزيدًا من الحرب الاقتصادية، والتي قد تتصاعد لحرب عالمية ثالثة.

4- سياسيًا- تحولت الصين من دولة رخوة ليس لها وزن عالميًا إلى قوة سياسية عظمى؛ لأنها اهتمت بتقوية الموضع أو الإصلاح الداخلي والاجتماعي من خلال القضاء عل الفقر وتعليم جيد، وبحث علمي متقدم وصناعة وزراعة أشبعت الاحتياجات الأساسية لشعبها؛ مما انعكس على قوة الدور السياسي للصين خارجيًا؛ مما غير من موازين القوى العالمية، فلم يعد العالم أسير قوى عظمى واحدة هي أمريكا؛ حيث يتجه العالم الآن إلى تعدد القوى العظمى؛ بل هناك احتمال لأن تصبح الصين مستقبلا هي القوى العظمى الأساسية المسيطرة بديلا لأمريكا، وتمتد نجاحات التجربة الصينية إلى أنها انعكست إيجابيًا على العالم كله تقريبا، حيث أصبحت الصين قاعدة ضخمة للإنتاج والتصنيع منخفض التكلفة وعالي الجودة، مما ساعد على توفير معظم المنتجات والاحتياجات العالمية بسعر منخفض لكافة السلع تقريبًا، فانخفضت الأسعار في العالم بفضل المنتج الصيني.

هذا بجانب أنها كسرت احتكار كثير من المنتجات والأسلحة، فانخفضت أسعارها، ومن ناحية أخرى فتحت الصين أبوابها لاستقبال كل منتجات دول العالم، وهي أكبر سوق عالمية عدد سكانها نحو خمس سكان العالم، وبجانب كل هذا يحسب للصين أن نجاحها لم يقم على حساب نهب ثروات العالم أو طاقة رخيصة أو ضغوط سياسية أو عسكرية أو مؤامرات وحروب في الدول النامية - كما فعلت معظم النظم الرأسمالية الكبرى، ويمتد النجاح السياسي للنموذج الصيني مستقبلا من خلال مشروعها العملاق؛ المعروف باسم طريق الحزام الذي سيؤدي - إن شاء الله - لتغيرات اقتصادية عالمية كبيرة، حيث يشمل مشروعات وطرقًا برية وبحرية وحديدية ضخمة يخدم ويفيد 83 دولة، ويعتمد على استثمارات صينية تتجاوز 900 مليار دولار؛ مما يربط مصالح هذه الدول بالصين اقتصاديًا وسياسيًا.

الخلاصة أن برنامج الإصلاح الصيني نجح بامتياز في كافة الأبعاد السابقة برغم سيطرة الدولة على نحو 65% من الإنتاج وهو اقتصاد موجه تحت سيطرة الحزب الشيوعي الذي أتاح الحرية للقطاع الخاص في التنمية في إطار خطة الدولة؛ ولذلك يرى الكثيرون أن هذا النموذج هو الأنسب لمصرنا الحبيبة لعدة أسباب:

منها أوجه التشابه مع الصين في أن كلاهما ذات حضارة أنهار، وارتفاع نسبة الفقر في مصر بدرجة تشابه الصين في السبعينيات، هذا فضلا عن وجود مصالح عديدة تربط مصر بالصين مثل طريق الحزام ومصالح سياسية، وبجانب أن النموذج الرأسمالي يستحيل تكراره؛ بل إن إسرائيل نفسها الحليف الكبير لأمريكا والغرب تعتمد على اقتصاد أقرب للاشتراكية من الرأسمالية منذ عام 2012، وتحتل المركز السادس عشر عالميًا في مؤشرات التنمية البشرية، هذا فضلا عن الاختلافات العديدة عن الغرب في كافة أبعاد البيئة الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية؛ مما يتطلب إعادة نظر شاملة من المنظور البيئي للإصلاح في مصر - والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة والمرور في العالم وفي قاهرة المعز (6)

ما بعد الحداثة مجتمع يتميز بالمدن الخضراء الخالية من التلوث أو المحدودة التلوث، حيث تعتمد هذه المدن على استخدامات الطاقة المتجددة بوجه عام في المساكن والعمل

ما بعد الحداثة والمتغيرات السياسية (5)

أحدثت ثورة الاتصالات تغييرات جوهرية، امتدت للمجال السياسي، بالإضافة إلى فشل النظم السياسية المختلفة بوجه عام في تحقيق طموحات شعوبها؛ مما أكد مضمون نظرية ما بعد الحداثة التي ترفض تعميم أي نظريات سابقة؛ لأن هذه النظريات شكلت نظمًا سياسية واقتصادية أدت إلى تدهور الأوضاع البيئية والاجتماعية لمعظم البشر

حملة قومية لحماية هويتنا ولغتنا الجميلة

كانت مقالة "د.إسلام عوض" الأخيرة بعنوان: "أيها الإعلاميون.. ردوا إلى أم اللغات اعتبارها" التي تناول فيها لغتنا العربية؛ لغة القرآن الكريم وتعرضها للإهمال الكبير، بمثابة تحذير مهم لنا جميعًا، والقضية ليست شكلية؛

ما بعد الحداثة وانتشار الروبوت (4)

من أهم سمات العصر سرعة انتشار الروبوت في معظم مجالات الحياة؛ بل تقريبًا كل المجالات بعضها إيجابي ومفيد، وبعضها خطير يهدد حياة الإنسان حيث تتوقع بعض الدراسات

ما بعد الحداثة.. وتحديات الإعلام والشخصية القومية

انتهى المقال السابق إلى أن عصر ما بعد الحداثة أدى لتراجع الصحافة الورقية في كافة أنحاء العالم، وذلك يرجع لسرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ورخصها.

ما بعد الحداثة والصحافة الورقية (2)

تؤكد المؤشرات والإحصاءات - سواء على مستوى العالم بوجه عام أو على مستوى الوطن العربي أو داخليًا بمصر - أن هناك تراجعًا كبيرًا؛ سواء في أعداد توزيع الصحف