الإصلاح الاقتصادي والمجتمع وتجربة البرازيل (12)

16-6-2019 | 00:05

 

انتهت ال مقالات السابقة إلى وجود فكر جديد في ا لاقتصاد والسياسة ، وهذا ما تمثله نظريات ما بعد الحداثة، وهي نتيجة للأزمات المتعددة والكبرى، والتي يعاني منها معظم بلدان العالم وخاصة البلدان الرأسمالية ؛ حيث انخفضت معدلات النمو بشكل كبير، وتراوحت ما بين 1 و2% فقط في السنوات الأخيرة، وخاصة

أمريكا والدول الكبرى، وفي المقابل سجلت الصين الشيوعية أعلى معدلات نمو في العقود الأربعة السابقة بمتوسطات تتراوح ما بين 7 و10%.

وانتقلت الصين من دولة متخلفة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومتوقع أن تكون الاقتصاد الأول خلال سنوات قليلة، كما أن هناك ملاحظة مهمة وهي أن معظم الدول الرأسمالية أقامت نهضتها من خلال نهب واستغلال ثروات العالم الثالث وبأسعار طاقة رخيصة، وأيضًا من خلال ضغوط سياسية وعسكرية مازالت تمارس إلى الآن، وعلى سبيل المثال استطاع الرئيس ترامب عقد صفقة واحدة بـ400 مليار دولار العام الماضي، أسلحة وغيرها مع دولة واحدة، وهذا يؤكد أنه حتى معدلات النمو المنخفضة 1 أو 2% لا ترجع لعوامل اقتصادية بقدر ما ترجع لممارسة ضغوط سياسية مختلفة، وهي في معظمها صفقات أبعد ما تكون عن حرية السوق التي نسفها ترامب صراحة وعارضها وفرض ضرائب عالية وغير مبررة على كثير من المنتجات الصينية والأوروبية، ولذلك يتوقع بعض الخبراء حدوث أزمة اقتصادية عالمية كبرى خلال عامين تعصف باقتصاديات كثيرة من دول العالم، خاصة النظم الرأسمالية.

وفي هذا الشأن يقول د.طلال أبوغزالة، في مقالة بالأهرام، إن الأزمة الاقتصادية الكبرى يتوقعها العام القادم 2020، وقد تؤدي إلى قيام الحرب العالمية الثالثة كوسيلة لمواجهة المشكلات الاقتصادية للدول الرأسمالية، وتصاعد قوة التنين الصيني المتزايدة وعجز أمريكا عن وقف هذا التصاعد.

كل هذا يؤكد فشل كبير للنظام الرأسمالي ومؤسساته ذات المعايير المزدوجة في التعامل مع الدول النامية، بل وهناك أمثلة واضحة في فشل هذه المؤسسات، وهناك مثال "البرازيل"؛ حيث تعرضت البرازيل لأزمة اقتصادية كبرى في نهايات القرن الماضي، ولجأت إلى صندوق النقد الدولي ووضع برنامج للخصخصة وتخفيض قيمة العملة البرازيلية وإلغاء الدعم؛ مما ترتب عليه مزيد من الانهيار الاقتصادي وارتفاع مستويات التضخم ومعدلات الفقر، برغم الاستجابة لجميع متطلبات الصندوق، وعادت البرازيل للاقتراض من الصندوق مرة أخرى فزادت الديون وتركزت 50% من ثروة البلاد في أيدي 1% من الأفراد، ما أدى لتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتضاعف الدين العام تسعة أضعاف قبل الاتفاق مع الصندوق.

وأصبحت البرازيل على وشك الإفلاس عام 2002، ثم في عام 2003 جاء الرئيس لولا دا سيلفا، والذي عمل كماسح أحذية ثم ميكانيكي ثم بائع خضار، وبعد ذلك عمل في التعدين بعد حصوله على دراسات في هذا التخصص لمدة ثلاث سنوات، وأصيب إصبعه في حادث بالمصنع مما دفعه للانضمام لنقابات العمال للدفاع عن حقوقهم وانضم أيضا لحزب اشتراكي، ثم أصبح رئيسا للبرازيل عام 2003، وبرغم انتمائه لليسار فإنه اتخذ سياسات متوازنة اقتصاديا تجمع بين قيادة الدولة وتشجيع القطاع الخاص، وتخلى عن كل سياسات صندوق النقد الدولي، وقال جملته الشهيرة لم ينجح صندوق النقد الدولي إلا في تدمير البلاد النامية.

واستطاع سيلفا خلال سنوات حكمه – ثماني سنوات فقط - تسديد كل ديون البرازيل، وتحقيق فائض يتجاوز 200 مليار دولار، وأعاد 2 مليون برازيلي للوطن من الخارج، وحول البرازيل في نهاية حكمه عام 2011 من دولة فقيرة رخوة طاردة لأبنائها إلى سابع أقوى اقتصاد عالمي، وقضى على نحو 90% من مشكلة الفقر، وذلك من خلال تركيزه على عدة محاور أساسية تشمل سياسة متوازنة اقتصاديا بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ضرائب تصاعدية، وتوفير تعليم جيد، وإقامة صناعات حديثة، وتحديث الجيش، والاهتمام برفع ميزانية الصحة والتعليم والبحث العلمي لأعلى مستوى في تاريخ البرازيل، ورفض الاستمرار في الحكم بعد نهاية فترته الرئاسية، وبرغم محاولة البعض تشويه سمعته بعد تركه للحكم لكن القضاء أنصفه وبرأه.

وهناك نماذج أخرى ناجحة بعيدًا عن النموذج الرأسمالي مثل تجربة ماليزيا وكرواتيا، بل أن مهاتير محمد رائد نهضة ماليزيا يقول دائمًا، إنه اعتمد على نموذج مصر في الستينيات في نهضة بلاده، وهناك أيضا النموذج الهندي في التنمية، ونجاحه بالرغم من أن الهند تحديدا بها نحو أربع عشرة لغة، وتتكون من عدة أجناس وأديان ورغم كل هذا حققت نهضة كبرى، وفي النهاية تبقى الصين النوذج الأكبر والأحق بالدراسة في تحقيق التنمية الشاملة ؛ لأسباب متنوعة تستحق مقالا منفصلا - بمشئة الله تعالى.

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

ما بعد الحداثة والدعم النقدي (9)

تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول الدعم لمستحقيه يجب دراستها بدقة لضمان نجاح مواجهتها.

ما بعد الحداثة والتعليم والبحث العلمي (8)

نظرية ما بعد الحداثة ترى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وأن الحقيقة نسبية " وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، وبالتالي ليس هناك من يملك الحقيقة

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]