الثانوية العامة.. والاختبارات الأصعب فى الحياة

13-6-2019 | 22:57

 

سؤال مباشر وصريح ولا يحتاج إلى أي مواربة أو إلى أية تعقيدات.. هل حقًا نخوض أصعب امتحانات حياتنا فى اختبارات الثانوية العامة ؟!

وبعيدًا عن اختلافنا حول النسبة التي قد تجيب بنعم أو بلا عن هذا السؤال.. ففى رأيي أن امتحانات الثانوية العامة أقل الامتحانات التى تخوضها صعوبة فى حياتك، فهي امتحانات مباشرة وصريحة.. يقف فيها عدوك واضحًا ظاهرًا، يعرض لك كل أنواع الأسلحة التي يمتلكها ولا يخفى أو يخبئ عنك شيئًا.

فهو لا يأتي إلا من منهج محدد وبطريقة محددة وله زمن محدد.. والأجمل أننا نعرف هل أجبنا صوابًا أم كانت إجابتنا خاطئة تستحق المراجعة وإعادة تركيز.

ورغم كل هذا الوضوح، فإننا ننهزم أمامه للأسف الشديد فى بعض الأوقات ليس لقوته وإنما لضعفنا، أو بطريقة أخرى لعدم قدرتنا على الاستعداد له جيدًا.

تمامًا مثلما يأتي شهر رمضان المبارك فيكتشف الجميع فجأة أن رمضان أتى بالرغم من أننا جميعًا نعرف أنه سيأتي العام المقبل والعام الذى يليه وسيظل يأتي طوال تاريخنا وطوال تاريخ الأرض.

ورغم كل معرفتنا المسبقة تلك.. فإننا نجد البعض لم يجهز لتك اللحظة ورؤية الهلال، فلا نحن أعددنا جدول رمضان فى العمل.. ولا أقام التجار خيمتهم الرمضانية لعرض الياميش ومستلزمات الشهر.. أما المنتج الفلاني فلم ينته من مسلسله، والداعية العلاني لم ينته من تسجيل حلقاته.

هكذا نحن غير مستعدين للامتحان المعروف مُسبقًا غير مستعدين للبديهيات.. فكيف بنا نكون مستعدين لغير البديهيات والمنطقيات؟!.. كيف بنا نواجه اختبارات الحياة التي تأتي فجأة دون أن تقرع على الباب.. ودون أن تترك لنا زمنًا محددًا للإجابة وحتى دون أن نعرف هل إجابتنا صحيحة أم خاطئة.

خذ عندك مثلًا تجربة لصديقى حدثت له منذ عشرين عامًا، جاءت إليه ثلاث فرص للعمل مدرسًا فى الأسبوع نفسه.. إحداهما فى قريته، والأخرى فى إحدى المدن الجديدة، والأخيرة فى مدرسة لغات خاصة.

هذا هو الاختبار البسيط المحير بالنسبة لصديقى ولى ولك ولغيرنا.. اختبار لا نعرف فيه هل أصبنا أم أخطأنا؟، لا يوجد كتالوج للإجابة النموذجية.. فهل ينقلب حال المدارس الخاصة أم يتحسن؟!.. هل تتطور المدينة المبنية حديثا أم يحكمها العشوائيات؟!.. هل يظل الصديق فى قريته بجوار أهله وأصدقائه ومعارفه أم يخوض تجربة جديدة فى بيئة جديدة؟!

مئات الإجابات أو بالتحديد مئات القرارات التي كلها قد تكون صحيحة وكلها قد تكون خاطئة.

صديقى هذا أعده محظوظًا لأنه فى النهاية سوف يعمل مُعلمًا فى المهنة التي أحبها.. فلا يهم المكان الذي اختاره.. قد يمر الزمن ويقول فى نفسه يا ليتني اخترت كذا بدلا من كذا.. ولكن ما الذى سيحدث لك لو خُيرت أنت بين مهنتين مختلفتين لا ترضاهما وبين البقاء فى الشارع عاطلاً؟!.

ماذا لو اخترت بين العمل بدون شهادتك التي أضعت عمرك فيها براتب كبير.. وبين العمل بشهادتك مع راتب أقل؟!.. وماذا لو قادتك الظروف للزواج ممن لا تحب.. والإقامة مع من تكره؟!.. والسفر مع الغرباء؟!

كل يوم هناك قرار بسيط تتخذه قد يقلب حياتك رأسًا على عقب للأحسن أو الأسوأ.. أو يجعلها تسير روتينية كما هي عليه.

كل يوم تختبرنا الحياة وتُخيرنا بين العمل والأصدقاء والزوجة والأولاد والسفر والدراسة والهواية واللعب والجد.

كل يوم نتأثر بقرار واختيار.. كنا قد اخترناه منذ عدة شهور أو عدة سنوات لا نعرف إجابته النموذجية ولا نعرف من أين أتي.. لكننا اجتهدنا حتى نُصيب الأفضل ونصل إليه.

أعلم وأعرف أن الثانوية العامة حددت مصير الملايين منا، فهذا لا شك فيه.. لكنها لم تكن أصعب اختبار لنا فى الحياة..

الأصعب فعلا لم يأت بعد.. والنجاح أيضًا لم يأت بعد.

نجاحك فى الثانوية العامة لا يعادل نجاحك فى النجاة من "أسافين" قد أعدت خصيصًا لك.. لا تعرف مصدرها ولا من أين ستأتي ولا من أى منهج ستنطلق.. لكنك تفاديتها واستطعت النجاة والنجاح.

وبرغم أنني أعرف أن كلمات النصح والإرشاد هي الأثقل على كل إنسان.. ولكن دعنا نتحايل عليها ونعدها نوعًا من أنواع الدردشة.. فإلى طلاب الثانوية العامة الذين يمتحنون الآن، وإلى الذين سيأتون من بعدهم فى كل عام وفى الظروف نفسها.. هذا هو الاختبار الأسهل فى حياتكم.. فأنتم لم تختبروا بعد.. أنتم لم تختبروا بعد.

تويتر: @tantawipress

مقالات اخري للكاتب

بنات الجروجون

وقف أحدهم يقدم فاصلا من السخرية و"التريقة" على طريقة أداء وأسماء المذيعين والمذيعات داخل إذاعة القرآن الكريم.

جريمة الزرقاء وفتاة المعادي والعنف المتزايد

ما الذي يحدث فى مجتمعنا العربي من أقصاه إلى أقصاه؟!.. هل تتحقق فينا مقولة محمد الماغوط القاسية والمؤلمة: "ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربيًا"؟!

هل سمعت عن هذه التطبيقات الحكومية؟!

أرسلت لى وزارة الاتصالات على الإيميل، خبرًا عن إصدار تطبيق جديد أطلقته بالتعاون مع وزارة الكهرباء، تطبيق يهم الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية وصعوبات التخاطب أسمته تطبيق "واصل".

مخالفة مواطن وموظف

لك أن تتخيل 4 ملايين مخالف بناء في بلادنا.. كيف هذا؟! بسبب المواطن مضطرًا أو متجبرًا أو متعمدًا.. وبسبب تقاعس الموظف العمومي فى المحليات وفي الرقابة وفي غض الطرف عن المخالفات.. لذلك الرقم الفعلي للمخالفات 8 ملايين 4 لمن خالف و4 لمن سمحوا بذلك.

المصريون في عيون لينا ناتاشا

لا أعرفها بشكل شخصي، ولم نلتق في أي مناسبة من قبل، لكنني أتابعها على منصة التدوين القصيرة "تويتر".. أتابع تدويناتها عن مصر باهتمام أكبر، أجد دقة اختياراتها، خاصة الإنسانية منها، والتي تعكس ذوقًا رفيعًا عن مصر وأهلها.. إنها لينا ناتاشا ليند، سفيرة النرويج بالقاهرة.

"سيدة القطار" وعبدالرحمن الشرقاوي

نعم! إنها الكلمة التي تخرج منا دون أن ندري ولا نلقي لها بالًا فتُلقينا إما فى المهالك أو في النعيم.. كلمة السر!

وفاة صديق قديم

وفاة صديق قديم لا يعني فقط انهيار ركن فى حياتك الماضية؛ بل انهيار جزء من المستقبل أيضًا، وفاجعة الفقد تكبر وتزيد إذا كان هذا الصديق صديق الطفولة.. فمرحلة

ألمانيا المولعة بالصرامة

جاءت نتيجة مباراة برشلونة الإسباني مع بايرن ميونخ الألماني، كالصاعقة على رأس محبي الفريق الكتالوني حول العالم.. فوز بايرن بنتيجة قاسية 8 أهداف مقابل هدفين،

‏أحلام الفقراء في الدكتور مشالي

‏جاءت وفاة الدكتور محمد مشالي المعروف بطبيب الغلابة لتذكرني بمقولة جاءت في الأثر تقول: إن "الممكن" سأل "المستحيل" يومًا ما أين يعيش؟ فأجاب المستحيل: في أحلام الفقراء.

مسبار الأمل الإماراتي

يوم 20 من هذا الشهر، انطلق في الساعة الواحدة و58 دقيقة بعد منتصف الليل (بتوقيت الإمارات) مسبار «الأمل» الإماراتي إلى المريخ.. وبدلا من فرحة إطلاق أول مسبار

نهرا النيل والدانوب.. تطور الفكر الإنساني

نهرا النيل والدانوب.. يتشابهان تقريباً في عدد الدول التي يمران فيها، فيمر نهر النيل بـ 9 دول إفريقية هي: الكونجو الديمقراطية.. بوروندي ورواندا وتنزانيا وكينيا وأوغندا وإثيوبيا وجنوب السودان (بعد انفصالها عن السودان).. والسودان وينتهي في مصر.

الجار المخالف .. وقضية التحرش

بعدما وافق مجلس الوزراء، يوم الأربعاء الماضي (8 يوليو)، على مشروع القانون المقدم من وزارة العدل، والذي يهدف للحفاظ على سرية بيانات المجني عليهم في جرائم

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]