مقال رئيس التحرير

الممر

13-6-2019 | 13:39

 

الشريط السينمائي الجيد ليس جملة عابرة تتلاشى فور نزول تتر النهاية على الشاشة، حاملًا معه أسماء المبدعين المشاركين في صناعته والسهر على كل تفصيلة صغرت أم كبرت فيه، لكنه إبداع متميز ومتقن وبإمكانه التحليق بك إلى عنان السماء.

فيلم "الممر" يندرج ضمن هذه النوعية من الأفلام المتميزة والمتفردة، ويترك بصمة قوية في النفس، وهو من الفئة النادرة التي تعيش طويلًا في الوجدان والخاطر، ويصعب أن تمل من مشاهدتها كلما عرضت سينمائيًا أو تليفزيونيًا؛ لأنه يتناول فترة مريرة وقاسية عاشتها مصر، عقب هزيمة ١٩٦٧، وكيف جرى اجتيازها من قبل الشعب المصري الصامد والقوات المسلحة بكل ما حملته من مرارة ومشقة، حتى استطعنا استعادة توازننا وتماسكنا إلى أن تحقق انتصارنا في السادس من أكتوبر ١٩٧٣.

وقد قدر ليّ مشاهدة "الممر" مرتين، آخرهما كانت في عرض خاص بدعوة كريمة من الشئون المعنوية للقوات المسلحة بحضور معظم أبطال الفيلم، وحشد من الشخصيات العامة والإعلاميين ورؤساء التحرير.

وفي المرتين لمست جماليات "الممر"، الذي يشارك فيه مجموعة متناغمة من كبار النجوم في السينما المصرية، يتقدمهم الفنان أحمد عز ، وهذه الجماليات ليست فقط في الأداء التمثيلي البارع والمتقن لأبطاله، والتناغم فيما بينهم؛ بفضل روح الفريق التي كانت واضحة وسائدة في المشاهد المتتابعة، وتنفيذ المشاهد الحربية ببراعة فائقة، والتصوير والموسيقى التصويرية والمونتاج، وغيرها من عناصر العمل الفني التي يجيد الحديث عنها باستفاضة المتخصصين وأرباب النقد السينمائي، وإنما أيضًا فيما حمله من مضمون هادف يلزم ترسيخه في أذهان وأفئدة الأجيال الشابة التي لم تعاصر هذه الحقبة العصيبة من تاريخنا الحديث، وعبر هذا المحتوى كان هناك تركيز شديد في إبراز النواحي الآتية :

أولًا: أن وطننا من الممكن والجائز أن يتعثر، لكنه غير قابل للكسر مهما تكن المحن والشدائد التي تزيده صلابة وعزيمة، وتحفزه على تفجير أفضل ما لديه من طاقات وإبداعات تجعله يتغلب على المصاعب والتحديات خلال زمن قياسي، ويتحمل ما تنوء به الجبال لحين تجاوزها بسلام، وأن هذا الشعب وقيادته في مثل هذه الظروف الحرجة ـ هزيمة ١٩٦٧ ـ نجح في تصحيح المسار، واستخلاص العبر والدروس من الأخطاء وسوء التقديرات والحسابات التي بنيت عليها قرارات بعينها، وأن هذا الأمر - تصحيح المسار - كان حاسمًا وظاهرًا في عملية إعادة البناء العسكري والاجتماعي والسياسي التي أوصلتنا لاحقًا للحظة العبور العظيم في حرب ٧٣ المجيدة، وأصابت آنذاك إسرائيل بصدمة رهيبة لا تزال مؤثرة فيها حتى يومنا هذا.

ثانيًا: أننا إزاء مؤسسة وطنية قلبًا وقالبًا، هي القوات المسلحة المصرية ، التي شحذت همتها، واستردت عافيتها وتوازنها العسكري والنفسي سريعًا؛ مما مكنها من خوض حرب الاستنزاف ، وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة في عمق سيناء وخارجها بضربات موجعة ونوعية كان لها صداها الكبير إقليميًا وعالميًا، ونجحت بفضل التخطيط الجيد في إعادة تنظيم وهيكلة صفوفها، وأفرزت كوادر وقيادات تولت المسئولية في وقت دقيق وعصيب، وكانت عند حسن الظن بها؛ لأنها تعمل على قلب رجل واحد، وولاؤها الأول والأخير لمصر وشعبها.

ثالثًا: إن الحرب ليست نزهة ولا مغامرة في الهواء الطلق، وأن لها تأثيراتها الكارثية والمفجعة، وأن قرار خوضها يجب أن يحسب بميزان حساس ودقيق بعيدًا عن الرعونة والأصوات الحنجورية غير المسئولة التي تدعو إليها، وتوخي الدقة أمر حتمي؛ لأن من سيدفعون ثمنها الغالي سيكونون من الأجيال التالية التي لن تغفر لمن جر البلاد ودفعها دفعًا إليها بدون مبرر منطقي، أو حساب عواقبها الآنية والمستقبلية.

في الوقت نفسه أن تمتعك بميزة الاستقرار والأمن لابد أن تحميها القوة، وظني أن المصريين فطنوا مبكرًا للمغزى الحقيقي وراء الحرص الدائم لقواتنا المسلحة على تطوير وتحديث قدراتها التسليحية والتدريبية، لتصبح في وضع استعداد دائم لحماية حدودنا من أي معتد أو دخيل، ومواجهة الإرهاب العابر للحدود وداعميه، لا سيما وأننا نعيش وسط منطقة يعد عدم الاسقرار سمة أساسية لها.

إن فيلم "الممر" يعيدُ لذاكرتنا أمجاد ومآثر الأفلام الحربية التي بقيت ملازمة لاحتفالاتنا بأعيادنا الوطنية، وتبشر عودتها ثانية للواجهة - برغم تكاليف إنتاجها الباهظة - بأن منسوب الوعي العام سيرتفع بما يحافظ على ثوابتنا وقيمنا الوطنية، وفي انتظار المزيد من هذه الأعمال الجادة والهادفة.

مقالات اخري للكاتب

ألاعيب الحواة

ألاعيب الحواة

مصر وسط الكبار

​شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي، في حدثين كبيرين لهما ثقلهما ومكانتهما البارزة عالميًا، هما قمة مجموعة الدول السبع بفرنسا، ومؤتمر "تيكاد ٧" باليابان، وخلالهما

أبطال كرة اليد

عن جدارة واستحقاق، فاز ناشئو كرة اليد ببطولة كأس العالم، وكانوا سببًا في شعور المصريين بفرحة غامرة، بعد إنجازهم التاريخي غير المسبوق في هذه الرياضة، وتضاعفت

فاسدون بامتياز

بخلاف العنف المتأصل والمتجذر في تركيبة جماعة الإخوان الإرهابية، منذ نشأتها الإجرامية والمريبة في نهايات عشرينيات القرن الماضى، فإن الفساد يشكل ملمحا بارزا

رسالة تفاؤل

كلما انعقدت نسخة جديدة من مؤتمر الشباب، تتدفق شحنات من الأمل والتفاؤل، تؤكد أن لدينا كوادر شبابية واعدة مصرة على صنع مستقبل أفضل لوطنها ولأنفسها، تشد من أزرهم وتدعمهم قيادة سياسية وضعت ثقتها الكاملة في هؤلاء الشباب..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية