كنا نتفوق به على الغرب

10-6-2019 | 22:59

 

انطلق سائق التاكسي العجوز عم محمود في حديثه معي، يحكي عن معاناة بناته الثلاث وهن في بدء حياتهن الزوجية، ويصف ما يمر به من مرارة وألم حين تهرع إليه بناته باكيات وهن يحملن أطفالهن، ويقول ابنته الكبيرة تزوجت منذ أربعة أعوام، وبعد ولادة طفلها الأول بدأت مشاكلها مع زوجها تطفو على السطح، ومن وقت لآخر يتعدى عليها زوجها الشاب بالضرب المبرح، ويتعجب من شدة العنف والغلظة مع بداية حياتهما الزوجية.

وما تلبث أن تفر إلى بيتي والهزال يكسو وجهها وآثار الضرب منتشرة في أماكن متفرقة على جسدها، وفجأة ينتقل بحديثه إلى ابنته الثانية وهي الوسطى، ويجسد لي صورة قسوة زوجها عليها، برغم أنه لم يمض على زواجهما أكثر من عام، ويقول تترك شقتها وتقيم في بيتي، وأحيانا تصل مدة إقامتها إلى شهرين أو ثلاثة، حتى يأتي زوجها ويعتذر لها وتعود إلى شقتها في إمبابة، وتعود الكرة مرة تلو المرة، ويتكلم عم محمود وعيناه تكادان تذرفان دمعًا، ويستأنف كلامه قائلا أما ابنته الصغرى فكانت أكثر شقيقاتها مرحًا، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهها الرقيق، وراودتني نفسي ألا أُزوجها، مهما كانت شخصية العريس الراغب في زواجها، واعترضت على كلامه، وبادرني بقوله إنه صارح والدتها بما يختلج داخل صدره، وذلك خشية تكرار ما يحدث مع شقيقتيها، وأبت الأم هذه الرغبة تمامًا، ووصفتها بالدبة التي قتلت صاحبها.

وصمت قليلا ثم أخذ نفسًا عميقا، واستطرد قائلا وفور ما خبط على الباب أول عريس، فاز بقبول الجميع ووافقت عليه ابنتي، وبعد مرور أشهر قليلة، اتصلت بي تستنجد، فقد حبسها زوجها في حجرة النوم وأوصد عليها الباب، بعد اعتدائه عليها بالسب والضرب، وتوجهت إلى ورشته ومعي ابني واصطحبته إلى المنزل ليفرج عنها.

واستمر حديثه وهو يسير بسيارته الأجرة على مهل، وشعرت أن المسافة لبيتي قطعت وقتا طويلا، وقد أصابتني غصة في حلقي من مرارة شكوى السائق العجوز، وتملكني إحساس بالحزن لما وصل إليه سوء حال المتزوجين حديثًا، وهذا يوضح ارتفاع نسب الطلاق بين حديثي الزواج بشكل جنوني، وقد كشف تقرير مركز معلومات رئاسة الوزراء عن أرقام مفزعة خلال عام 2018، حيث وصلت حالات الطلاق إلى مليون حالة طلاق بواقع حالة واحدة كل دقيقتين ونصف، برغم أن أولياء أمور الفتيات لا يتباطأون في تزويجهن، خوفًا من العنوسة التي بلغت نسبتها 15 مليون حالة، كما ذكر التقرير الرسمي، وإضافة إلى هذه القائمة السوداء زيادة حالات الخلع، ورصدت الإحصاءات أن أمام المحاكم الشخصية أكثر من 250 ألف حالة خلع، أي بزيادة 89 ألف حالة بالمقارنة بـ عام 2017.

ويستغرب الأب المكلوم في حديثه من معاملة أزواج بناته، أن زوج ابنته الأولى هو ابن خالتها، وزوج الثانية ابن عمها، أما الزوج الثالث فجار لصيق بنا ومن أسرة محترمة، وسألته عن أسباب تمادي الخلاف بينهم، أجاب أن استمرار الشقاق يرجع إلى أكثر من سبب، أولها ضيق المعيشة الناتج عن انخفاض القوة الشرائية، وثانيًا لعدم تحليهم بروح الصبر، وثالثًا إلى انقطاع لغة الحوار بينهما، فالزوج لا يرغب في الإنصات إلى زوجته، وهي في نفس الوقت لا تجيد طرح الكلام، ولم يحاول الطرفان إقامة حوار هادئ بينهما لعلاج المشاكل.

نجح عم محمود في بلورة أسباب الكارثة الاجتماعية، ووضع يديه في الوقت نفسه على علاج الداء، ولكن ما يؤرقنا في هذا الأمر تفشي ظاهرة العنف بين الأزواج، التي لم تقتصر على فئة محددة من المجتمع؛ بل تخطت واقع حاملي الشهادات الجامعية، وفي المقابل كان مجتمعنا في الماضي يغلب عليه الاستقرار العائلي والترابط، وكان حجر زاويته صلبا الذي يمثل الزوج والزوجة، بسبب تمتعه بروح المودة والرحمة بنسبة كبيرة، وأحيانا قد تهبط قليلا، ولكنها لا تنحدر إلى الهاوية ويطغى عليها العنف والبذاءة، وهذا ما كنا نتفوق به على المجتمعات الغربية، وعندما كان يصل إلى مسامعنا شيء من هذا القبيل، نعتبره من شواذ القاعدة.

وبعيدا عن ضيق المعيشة لأنه أمر متغير، ولا يمكننا أيضًا إنكاره، فالحل يتمثل في العودة إلى حسن التربية، وتأسيس الأولاد منذ الصغر على مفاهيم التعاطف والمثابرة، وتربية الجيل الصغير على نبذ الأنانية، وعلى أن يعزز الوالدان بين المتزوجين حديثا مبدأ التوحد نحو هدف بناء مستقبل أفضل لأبنائهما.

Email:khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الأزهر مفتاح لشخصية الزعيم

أمر غريب أن يكون الزعيم سعد زغلول مؤلفًا للفقه, ولم تصدق أذن لطفي السيد باشا, ما قاله الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق, أن المرحوم سعد زغلول باشا

ألا يغار أغبياء البشر

لست وحدك، فهناك من يتشابه معك في مشاعر الفرح والحزن، وفي كيده بالآخرين، وفي اجتهاده لإسعاد المحيطين به، غير أنهم عاجزون عن التعبير تجاه مشاعرهم، ونأخذ

ثلث غذاء العالم يهدر سنويا

كل عام يهدر 1.3 مليار طن من الطعام، وعدد الجوعى في العالم تعدى الـ 821 مليون شخص، وهذا وفقًا لآخر تقرير نشرته الأمم المتحدة في عام 2019، وحدث ولا حرج عن عدد المصابين بنقص التغذية، الذي بلغ نسبتهم أكثر من 500 مليون شخص.

سلاح أخطر من النووي

دون إراقة نقطة دماء واحدة، أو تدمير أي منشأة أو مسكن، يمكنها إلحاق خسائر فادحة بهيئات الدولة، وتستطيع ضرب بنية المجتمع، وزعزعة استقراره الداخلي، وتلك الحروب الحديثة لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة، ولا إلى كم كبير من الأسلحة أو من الأفراد المقاتلة، وكل يوم جديد يضيف القائمون عليها قدرات متطورة في الهجوم.

يصارع الأسود ليتزوجها

أجنحة باعوض وغزلان، والسفر مشيًا ألف مرة إلى إحدى المدن المجاورة، وتسلق أعلى جبل في البلد بشرط الوصول إلى قمته.

سؤال لا يجيب عنه المحبطون

"الكل يتآمر عليّ"، "الأبواب مغلقة كلها في وجهي"، "فشلت في كل شيء"، "مات كل جميل في قلبي"، عبارات تتردد على آذاننا من جميع الأعمار، والجدير بالإشارة أن