مثقفون: رحيل أنور عبدالملك يمثل خسارة لمشروع مفكري الدولة الوطنية

18-6-2012 | 16:04

 

سيد محمود حسن

يرى مؤرخون مصريون أن رحيل المفكر أنور عبدالملك يمثل خسارة كبيرة لدعاة الدولة الوطنية أنصار التنوير، معتبرين أن توقيت الرحيل ينطوي على دلالة واضحة تمثل هزيمة لهذا المشروع الذي سعى طويلًا لمقاومة الدولة الدينية من دون أن يفقد إيمانه بقوة دور الدين في المجتمعات العربية.


وقال الدكتور أنور مغيث، أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان، إن رحيل أنور عبد الملك يمثل خسارة كبيرة للفكر المصري المعاصر، لافتًا إلى أن مشروع المفكر الراحل انطوي على محاولة لتطوير الماركسية وتجذيرها في الواقع المصري عبر طرح مفهوم الدولة الوطنية.

كان أنور عبدالملك قد توفي في باريس مؤخرًا ويبذ مثقفون مصريون جهودًا لدفنه في القاهرة بالتنسيق مع السفارة المصرية في باريس، ويوضح مغيث أن عبد الملك وضع لنفسه معيارًا للحكم على شيوعيي عصره انطلق من هذا المفهوم حيث عارض على طول الخط تنظيم حدتو وغيره من التنظيمات التي ضمت أجانب في صفوفها وقاد مع مفكرين آخرين الخط الداعي إلى تمصير الحركة اليسارية المصرية وتخليصها من نفوذ الأجانب.

ويرى مغيث أن إيمان عبد الملك بفكرة الدولة الوطنية حكم إنتاجه الفكري البارز سواء كان كتابه "مصر مجتمع يبنيه العسكريون" أو نهضة مصر، المجتمع المصري والجيش " وهذا ما يفسر حماسه البالغ لنهضة محمد علي ومشروع عبدالناصر على الرغم من أنه هرب من ملاحقة الدولة الناصرية للشيوعيين بطريقة درامية حيث ذهب إلى فرنسا على مركب وكاد يفقد حياته في هذه المغامرة.

وفي سياق هذا الحماس للدولة الوطنية نظر عبد الملك لمفكري التنوير أمثال محمد عبده ورفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وطه حسين باعتبارهم بناة دولة وليسوا مفكرين.

ويرى مغيث أن أنور عبد الملك كان شديد الحساسية من اللوبي الصهيوني في الغرب وكان يعتقد صادقا أن إهمال مفكري الغرب لمقاله عن الاستشراق (1968 ) وهو المقال الذي سبق أطروحة إداوار سعيد الشهيرة عن نقد الغرب للشرق يعود إلى رفضه الشديد لإسرائيل كدولة عنصرية استيطانية.

ويشير أنور مغيث الذي كان قريبًا من عبد الملك وارتبط معه بصلة وطيدة خلال سنوات دراسته في باريس خلال الثمانينيات أن عبد الملك في سنواته الأخيرة كان كذلك شديد الحساسية من حركات المعارضة المصرية بسبب موقفها من القوى الإسلامية وكان يطالب السياسيين باحترام حضور هذه القوى لإيمانا منه بمفهوم الجبهة الوطنية لكن هذا لا يعني أنه مؤيد لها.

من جهة أخرى يرى المؤرخ شريف يونس أن عبد الملك كان من أبرز منظري الماركسية الوطنية أو القومية، التي دعمت مشروع أنظمة التحرر الوطني، لكن يونس يعتقد أن دعاة هذا الاتجاه تراجع حضورهم العام مع تعرية خطاب تلك النظم التي ثبت عدم جدية شعاراتها. ويشدد يونس كذلك على أن تأييد عبد الملك لمشروع الدولة الوطنية كما مثلها عبد الناصر كان تأييدا نقديا غير قائم على تواطؤ أو مصلحة مباشرة ولكن انطلاقًا من قناعة فكرية.

ويكشف الشاعر شعبان يوسف أن المفكر الراحل كان في شهوره الأخيرة شديد الحساسية إزاء النقد الذي يوجه من تلاميذه للاراء التي كان ينشرها في مقالاته بصحيفة الأهرام كما كان شديد الحرص على أن تبقي زاويته في الاهرام وسيلة للتواصل مع جمهور قرائه.

ويزعم يوسف أن الكتاب الذي صدر قبل عامين بعنوان "المثقفون" وكتبه السكرتير الخاص لعبد الملك وهو الشاعر حمزة قناوي كان من بين الاسباب التي أصابت المفكر الراحل بالأكتئاب، لأنه بحسب يوسف تضمن طعنات ونوع من النقد الشخصي لسلوك مفكر كبير كان ينتظر التكريم وليس التجريح الشخصي، في حين عبر الشاعر حمزة قناوي الذي عمل سكرتيرا شخصيا لأنور عبد الملك عن حزنه لغياب الفقيد وكتب على صفحته الشخصية على الفيس بوك أن يوم رحيل عبد الملك هو كارثة حياته.

ولد أنور عبد الملك في العام 1924، وحصل على ليسانس الآداب في الفلسفة عام 1373هـ/1954م من جامعة عين شمس، ثم حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع ودكتوراة الدولة في الآداب من جامعة السوربون بفرنسا، بدأ مسيرته العلمية منذ عام 1941م حين صار مدرسا ثم أستاذا للأبحاث بالمركز القومي للبحث العلمي بباريس 1960م ثم مديرا للبحوث عام 1970م.

وهو أستاذ علم الاجتماع والسياسة بكلية العلاقات الدولية جامعة ريتسو مبكان كيوتو باليابان، ومستشار خاص للشئون الآسيوية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة، ومدير أبحاث فخري بالمركز القومي للبحث العلمي بباريس، وهو عضو الإتحاد العالمي لعلم الاجتماع وعضو لجنته التنفيذية، علاوة على تولية منصب نائب رئيس الاتحاد 1389-1398هـ/ 1970-1978م، وهو مدير مشروع بجامعة الأمم المتحدة في الفترة من 1395-1406هـ/1976م إلى 1986م، وعضو مراسل بالأكاديمية الأوربية للفنون والعلوم والآداب.

ويوصف عبدالملك بأنه كان مهمومًا بهموم وطنه وخاصة السياسية والاجتماعية منها، علاوة على تأكيده على أهمية الخصوصية والهوية والانتماء لتماسك الأمة العربية والإسلامية، مع رفضه لدعاوى العولمة والانفتاح على الغرب من أجل التحديث واللحاق بالركب الحضاري، ودعوته إلى الانفتاح على الشرق.

ويعتبر أنور عبدالملك أن الماركسية ليست سلاحًا فحسب من أجل التحرر الوطني والاقتصادي لبلدان العالم الثالث - وذلك حسب كتابه القومية والاشتراكية - ولكن من أجل التحرر الفكري من الهيمنة الثقافية الغربية كذلك.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية