إعادة بناء القوة الناعمة المصرية

7-6-2019 | 21:32

 

كنا نتفاخر بخلو العواصم العربية من الحركة وقت إذاعة المسلسل المصري كـ"ليالي الحلمية، ورأفت الهجان"، وغيرهما، وكنا نردد أن اللهجة المصرية في المسلسلات هي اللغة المشتركة بين العرب جميعًا.

للأسف كل هذا أصبح من تراث الماضي، وأصبح العقل العربي المعاصر ساحة مفتوحة أمام المسلسلات التركية التي إذا افتقدت القصة فإنها لا تفتقد جمال الطبيعة وأناقة وجمال الفنانين، وللأسف الشديد لاتوجد أي جهة أو مؤسسة يهمها أمر القوة الناعمة المصرية !

والقوة الناعمة مفهوم حديث الاستخدام، وضعته جامعة هارفارد؛ وهي القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام، أو دفع الأموال.

والأمر هكذا فقد بات من المؤكد الانتباه إلى تراجع حجم وتأثير قوة مصر الناعمة التي صنعت مكانة هذا البلد عبر القرن الماضي بالمفكرين والأزهر والجامعات والكنيسة القبطية والكتاب والفيلم والأغنية والألحان والمدرس والطبيب.

وفِي كل مجال كانت تمتلك مصر آلاف الأسماء والنجوم والمبدعين، وكان التعدد هو ما صنع حيوية تلك الأمة حتى في أقسى اللحظات الحالكة..

ومناسبة ذلك ما حدث على شاشات رمضان ؛ فقد اختفى كتاب الدراما أو نأوا بأنفسهم أو تم تجاهلهم؛ فكانت النتيجة قصصًا ركيكة، وأحداثًا مفككة، وطغيانًا للنجم والنجمة على العمل بدون أي هيكل درامي.

معظم كُتاب الدراما المصرية هذا العام من الهواة ومحدودي الإبداع والخبرات.. والموهبة.. فأفكار المسلسلات سطحية ومستهلكة وأحداثها تعتمد على الصدف اللا نهائيه والمستحيلة..

وكذا المواقف المتناقضة.. مع إطلاق العنان للسطو واللا منطق، وهذا ليس إفلاسًا للمواهب؛ لأن مصر بلد الإبداع والموهوبين؛ ولكنه فقر فكر الإنتاج، وتجاهل لأصحاب المواهب والمحترفين والأسماء الكبرى.

والنتيجة الإضرار باسم مصر الفني؛ فكل كبار كتاب الدراما لم يشاركوا في مسلسلات هذا العام؛ نتيجة سيادة فكرة الورشة التي تضم المخرج والبطل والبطلة، والتي يتم من خلالها كتابة السيناريو "حتة بحتة" لتلميع البطل والبطلة على حساب القصة والحبكة ومنطقية الدراما.

الوحيد الذي شارك من الكبار هو مؤلف زلزال عبدالرحيم كمال؛ ولكنه بعد عدة حلقات أعلن تبروءه من العمل لذات السبب، بحيث لم يترك أي مسلسل مصري من سيل المسلسلات الرمضانية أي بصمة لدى المشاهد، فإن الإعلانات جاءت لتقتل أي أمل في أي متابعة منطقية لأحداث المسلسلات، التي لا تستمر سوى بضع دقائق يتلوها نصف ساعة أو أكثر من الإعلانات المملة والسخيفة.

وقال أحد الساخرين عما حدث في شاشة رمضان في العشرة الأوائل كان فيه إعلانات وسط المسلسلات.. وفي العشرة الثانية كان فيه مسلسلات وسط الإعلانات.. في العشرة الأخيرة كان فيه إعلانات بدون مسلسلات؛ لدرجة أن فترة إذاعة مسلسل "زي الشمس" ساعتين وربع.. منها ١٠٨ دقائق إعلانات، واكتشف الجمهور مثلا أن مسلسل "ولد الغلابة" مقتبس من مسلسل Breaking Bad، ولا سيما أيضًا تواجد شخصية المحامي بمسلسل Breaking Bad، وظهر أيضًا الفنان أحمد السقا ومي عمر بنفس المشهد الذي ظهر به أبطال مسلسل Breaking Bad أمام الفلوس، وكان نفس ديكور النظارة والجرح بالأنف الذي ظهر به الفنان أحمد السقا هو نفس اللوك الذي ظهر به بطل مسلسل Breaking Bad،
واتضح أيضًا أن مسلسل "زي الشمس" مقتبس من المسلسل الإيطالي "Sorelle"، والاقتباس ليس تهمة أو جريمة، لكن الجريمة هي النقل الكربوني، دون وضع أي لمسات أو إبداع.

مقالات اخري للكاتب

إفريقيا الأخرى

لاتزال إفريقيا مخزن حكايات وسرديات شعبية تجذبنا دائمًا إلى طبيعة الأدغال والغابة والنهر والطبيعة الاستوائية، فضلًا عن طبيعة الإفريقي نفسه العاشق للألوان

الدين الرابع المزعوم

الفكرة ببساطة تقوم على جمع الناس تحت راية لا يختلف عليها اثنان، من خلال جمع أهم التعاليم المشتركة بين الديانات السماوية الثلاث، ونبذ مواطن الاختلاف بينها، ووضعها فى قالب جديد يسمى الدين الإبراهيمي، بهدف تجريد الديانات من خصوصياتها وحدودها.

تربية الأبناء مشروع مصر القومي

هناك جيل كامل ضايع ولا يعرف شيئا عن التربية والأخلاق والنخوة.. جيل كامل من بنات وولاد حياتهم في انحلال كامل وكل شيء مباح من مخدرات لعري لسهر .. والأهالي لا يريدون حرمانهم وهي رسالة بأن كل الأمور سهلة ومباحة نسوا الدين، والتربية وأسموها "عقد".

الثورة الإصلاحية الصامتة

ما أعلنه الدكتور طارق شوقي هو ثورة إصلاحية للتعليم ستنقل مصر نقلة جبارة، وهي الأساس الحقيقي لأي نهضة وأي إصلاح، وفي تصنيف دول العالم بالنسبة لجودة الطرق

التنسيق وعلوم المستقبل

عادة ما يهرول الطلاب وأولياء أمورهم لما يسمى بكليات القمة دون التحسب للمستقبل وما يتطلبه سوق العمل والنصيحة لخريجي الثانوية العامة هذا العام: أهم الكليات

ثغرات في قانون التصالح

أثار قانون التصالح جدلاً كبيراً فى الشارع المصرى بين مؤيدٍ ومعارض وذلك لاحتوائه على حلول لأزمات عديدة تؤرق الشارع المصري، كما أنه لا يخلو من بعض العيوب. وقد عانت مصر على مر العقود الماضية أزمة التوسع العشوائى، الأمر الذى جعلها تحتل المركز الأول عالمياً فى معدلات التصحر عقب أحداث يناير 2011.

قوة مصر الاحتياطية

مصر أصل الدنيا ومبدأ التاريخ وهي كنانة الله في أرضة وسميت بأم الدنيا ليس تباهياً ونعرة لكنها حقيقة نحن أصل العرب بسيدتنا هاجر أم العرب وأصل التاريخ بحضارة عظيمة لقدماء المصريين بل وهناك أقاويل أنه عندما هبطت الملائكة إلى الأرض لجلب طينة البشر كان من ضفاف نيلها الأبي.

حدود الدور المصرى الإقليمي

يوما ما كشفت دبلوماسية أمريكية رؤيتها لمصر بقولها نريدها كقطعة الفلين كبيرة الحجم خفيفة الوزن تطفو ولاتغرق.

الانتخابات إليكترونية وإن طال الزمن

بغض النظر عن كل الملاحظات التي صاحبت انتخابات مجلس الشيوخ ونسب المشاركة، فقد كانت انتخابات نصف إليكترونية؛ بمعنى أن المرشحين لم ينزلوا للناس، ولكن تعاملوا معهم عن بعد من خلال الدعاية الرقمية واللافتات، وطال الزمن أم قصر

شبهات الإفراط في الحصانة

ربما يكون الإفراط في تحصين النواب من مجرد الملاحقة القانونية على جرائم ليس لها علاقة بموقعهم كنواب يثير من الشبهات أكثر مما كان يستهدفه المشرع من حماية

المحليات الأولى بالرعاية

كانت هناك وعود كثيرة وحاسمة بإجراء الانتخابات المحلية أكثر من مرة، ولكن لأسباب إجرائية تعطلت نتيجة النصوص غير العملية في الدستور، ووقف الجميع عاجزا عن فك شفراتها، وكانت التعديلات الدستورية الأخيرة فرصة من السماء لتعديل تلك النصوص وصياغة نصوص منضبطة واقعية، ولكن فيما يبدو لم ينتبه المشرعون لها.

المشروع العربي الغائب

سئِل أحد حكماء بني أمية عن سبب سقوط دولتهم فقال: "أمورٌ صغار سلمناها لكبار، وأمورٌ كبار سلمناها لصغار فضعنا بين إفراطٍ وتفريط، قرّبنا العدو طمعًا في كسب وده، وبعّدنا الصديق ضامنين ولاءه، فنالنا غدر الأول وخسرنا ولاء الثاني"!!

[x]