د.مروة مختار.. تكتب: الاستشراق والخيال الشعرى

31-5-2019 | 18:19

د. مروة مختار

 

شغل مفهوم الخيال فى الشعر العربى القديم مساحات نقاش مطولة من دراسات المستشرقين المتقدمين، ودفعتهم حماسة البدايات إلى إصدار مجموعة أحكام قاطعة على القصيدة العربية القديمة مازال بعضها يردد حتى اليوم، وإذا كنا التمسنا العذر قديمًا لهذه الأحكام تحت مسمى ظلال البدايات، فلماذا نقبلها حديثا ونحتفى بها ونقدمها إلى القارئ العربى بوصفها منجزا أو تطورا ملحوظا للاتجاهات الحديثة فى دراسات المستشرقين؟!

من هذه الأحكام القاطعة وصف الشعر العربى القديم من قبل بعض المستشرقين أنه عارٍ من الخيال، فإذا كان هذا الحكم قد صدر قديما نتيجة قصور جلى فى الوعى بالثقافة العربية القديمة وعدم امتلاك ناصية اللغة وبيانها، فقد تنبه بعض المستشرقين المحدثين إلى هذا، ووجهوا الدارسين إلى ضرورة تكثيف الدراسات الفيلولوجية للنصوص العربية القديمة، بمعنى ألا تدرس النصوص العربية القديمة بمعزل عن سياقها الثقافى والاجتماعى، كرد فعل علمى وعملى منهم على الاعتراضات التى وجهت إليهم من قبل بعض المستشرقين وبعض الباحثين العرب بسبب أحكامهم القاطعة التى تبتعد عن مضمون الشعر القديم.

وممن ناقشوا هذه القضية المستشرق الألمانى المعاصر إيفالد فاجنر، تضافر ذلك  مع تقديم فكره إلى القارىء العربى عن طريق الترجمة بوصفه ممثلا للاستشراق  الألمانى الموضوعى الذى لا يعرف التعصب، والحقيقة أننا إذا نظرنا إلى موقفه من قضية الخيال فى الشعر القديم بشكل عام وفى الشعر الجاهلى بشكل خاص نستطيع أن نعى أن موقفه وشيج الصلة بأفكاره وتصوراته حول قضايا أخرى شائكة أثيرت حول الشعرالقديم.

يصدر فاجنر حكمًا على الشعر العربى بأنه شعر واقعى بشكل عام، ثم يستدرك بعد ذلك حكمه بأن القضية خلافية نتيجة اختلافنا حول تحديد مفهوم الخيال، ثم يعود ليؤكد وجهة نظره واصفا الشعر العربى بأنه يركز على ما يدرك حسيا، فالشاعر القديم لم يقدم لنا جديدا إلا من خلال التفاصيل واصفا أحداث صارت عرفية بالقوة فى بيئته ينقصها التفصيلات فقط التى تجعل تجربته متباينة عن غيرها.

أى أن ذهن المتلقى مهيأ بشكل مستمر لموضوعات بعينها ولقوالب ثابتة نتيجة  محاكاة الشعر لأحداث الواقع، ينقصها بعض التفاصيل التى تختلف باختلاف الوقائع التى يعايشها كل شاعر!

يوضح فاجنر أنه لا يقصد الواقعية التاريخية لكنه يقصد الواقعية التى تضع للشاعر إطارا بحيث يبدع فى محيط ماهو ممكن وماهو مسموح به، ثم يطرح سؤالاغريبا هل صدقت مشاهد الغزل أو الحرب أو الأوصاف التى يخلعها على الفرس أوالجمل؟!

وينطلق مطابقا بعض الصورالموجودة فى القصيدة القديمة مع الواقع بشكل حرفى، فيبحث فى أسماء الأماكن ويرى أنها قد تكون حقيقية، وقد تكون مختارة لدواعى الوزن والقافية، وأن اسم الحبيبة المتكررفى القصائد لم يكن أصليا انطلاقا من الظروف الاجتماعية التى لم تسمح بذلك، وفى تطرف غير محمود فى البحث العلمى قال فاجنر إن العرف أجبر الشاعر على أن يصف الأشياء على نحو ما تطلبت فوجب إبداء حزنه لرؤية آثار الحبيبة، وأن تقديره للممدوح لم يكن لصفات أصيلة فيه ولكن عن طريق استخدام صفات ثابتة بوصفها مثالا، وكأن فاجنر يحشد الأدلة التى تؤيد وجهة نظره بشكل فيه عنوة لينطق المتلقى مؤيدا رأيه: إن الشعر العربى القديم واقعى بشكل عام.

فاجنر يتعامل مع القصيدة القديمة ومقدمتها وأغراضها المتنوعة على أنها "أكلايشيهات" معروفة مسبقا للمتلقى، حتى مقولة النقاد القدماء "أعذب الشعر أكذبه "أولها لتتفق مع رأيه، وقال إن الكذب هنا لم ينتج عن نشاط خيالى لكنه كان وليدا لرغبة الشاعر فى تكرار أنماط سابقة يجب عليه استخدامها وإن لم تتطابق مع الحقيقة، فتظاهر الشاعر ـ من وجهة نظره ـ بخبرات تتلائم مع أعراف المجتمع، وهذه المغالاة دفعت فاجنر إلى طرح سؤال عن مدى مطابقة الأحاسيس الموصوفة داخل القصيدة للأحاسيس الحقيقية التى توجد داخل الشاعر نفسه؟!

إن رأى فاجنر فى واقعية الشعر القديم بشكل عام دفعه إلى البحث عن التطبيق الحرفى للعبارة القديمة" الشعر ديوان العرب"، فأصبحت مهمته الرئيسة البحث عن تفاصيل الحياة الإجتماعية ومظاهرها داخل كل قصيدة، وكأنها وثيقة تاريخية تشهد على أحداث عصرها، لدرجة دفعته إلى استنكارعدم وجود تفاصيل عن الحياة الأسرية وتنشئة الأطفال والحياة الزوجية الإيجابية ووجهة نظر المرأة فى الحب فى الشعر القديم!

الواقعية التى قال بها فاجنر دفعته إلى تأكيد الآراء التى وصفت الشعر القديم أنه شعر ارستقراطى، وفى مقدمتهم المستشرقة ريناته يعقوبى التى أكدت أنه شعر يخدم إرث النظام القيمى والمعايير القبلية للارستقراطية، ويدلل فاجنر على صحة هذا التوجه بأن وسائل الترفية التى يضمها الشعر القديم دالة على ذلك مثل رحلات الصيد بالإضافة إلى وصف الحبيبة دوما بأنها عريقة النسب وأنها نؤوم الضحى!

والسؤال إذا كان المستشرقون المتقدمون وقعوا فى هذه الأحكام العامة نتيجة عدم وعى كاف بالثقافة العربية وبأسرار لغتها فلماذا يُحتفى بفاجنر وهو مستشرق معاصر ويقدم إلى القارىء العربى بوصفه مثالا للموضوعية البحثية مقارنة بالمدرسة الألمانية القديمة، هل الصواب أن نقارنه بمن كانوا أكثر تطرفا فى أحكامهم عن قصد أو دون قصد، أم أن الصواب أن نحكم على تجربته بشكل موضوعى ومعاصر فى ضوء ماتوفر له من دراسات سابقة على مدار عقود ودراسات أخرى معاصرة، وعدم قياس فكره من حيث تطرفه أو اعتداله مقارنة بمن سبقوه إلى هذا المضمار البحثى.

فى ظنى أن عدم منهجية فاجنر فى تناول كثير من القضايا التى تخص الشعر القديم وفى مقدمتها الخيال تم التغاضى عنها من قبل بعض الباحثين العرب، نتيجة موقفه من قضية الشك فى الشعر القديم التى طرحها طه حسين، فقد ذكر فاجنر رأيه بوضوح فيها واصفا نفسه أنه من أصحاب الشك المعتدل، فهو لا يقبل الشعر القديم برمته ولا يرفضه بشكل كامل، منتقدا موقف طه حسين فى عبارة غريبة ذاكرا أنه قام بعرض شكه فى الشعر الجاهلى بلهجة بلاغية مدرسية إلى حد ما للجمهور العربى الأعزل!

إن وصف فاجنر للشعر القديم أنه واقعى بشكل عام حول القصائد إلى وثائق دالة ـمن وجهة نظره- على حياة العرب، ومن ناحية أخرى قام فاجنربمحاكمة الشعراء لأنه رأى أن هويتهم الشخصية وأحاسيسهم ذابت فى التجربة الجمعية للقبيلة!

فاجنر يضع النتيجة بداية ثم يجمع الأدلة عنوة لتسير فى الاتجاه الذى يريده، ولا أدرى كيف تاهت عدم منهجية أفكاره عن الباحثين العرب الذين احتفوا به.

و يظهر بجلاء إصرار فاجنر على التوجه إلى محاولات التقعيد الشكلى للقصيدة القديمة من حيث عدد الأغراض وتسلسلها ونسبتها المئوية إلى غيرها وأيهم أسبق إلى الوجود، توجه أغرقه مثل غيره من المستشرقين وبعض الباحثين العرب فى إطار شكلى أهدر النص الإبداعى أبسط حقوقه وهى الإنصات إليه والحوار الجدلى معه، فمن أين أتى فاجنر وغيره بهذا اليقين فى وصف القصيدة القديمة بأنها تتسم بالرخاوة والتفكك، وأنها تعتمد فى ترابط صورها على التضمين،  فضلا عن نقد مَنْ بحث عن تلك الوحدة على مستوى الشكل والمضمون، مهاجما

جهد فان جيلدروستتكفيتش فى بحثهما عن ترابط صور القصيدة القديمة المؤدي إلى وحدتها العضوية، وإذا قبل بعضنا هذه الآراء قديما من بعض المستشرقين كيف نقبلها حديثا ونرحب بها؟

بل كيف أثق فيمن يحلل قصيدة قديمة وقد وصف الشعر العربى بداية أنه فقير فى أغراضه، ووصف العربية أنها لغة فقيرة فى أدوات الربط، مما سبب تفكك صورالقصيدة القديمة وعدم ترابطها!

العربية ليست فقيرة أبدا فى أدوات الربط، أنه حكم مناهض للتراث فقد صنفت من قديم مع نشأة علوم القرآن والتفسير كتب حروف المعانى، تلك الحروف التى ربطت الصور الشعرية المختلفة داخل القصيدة الواحدة، كما اختلفت الصورة الواحدة من قصيدة إلى أخرى بحسب كل مبدع، بل اختلفت الصورة الواحدة من قصيدة لأخرى لدى الشاعر الواحد، أى أنها لم تكن أنماطا مكررة أو أكليشيهات مفرغة من المضمون، والربط بينها كان على المستوى الشكلى وعلى المستوى المضمونى، لكن العجلة فى التعامل مع النصوص وسرعة استنطاقها لا حوارها وتكرار أحكام مسبقة دون إعادة النظر فيها خلف حالة من التراجع النسبى فى التعامل مع النص القديم.

وإذا كانت هذه الأحكام المختلفة انطلقت من وصف الشعر العربى بأنه عارٍ من الخيال مستبعدين فى عنوة غير مبررة رافدا رئيسا فى عقل ووجدان الشاعر العربى القديم، فلماذا نقبلها فى العصر الحديث ونروج لها دون مناقشة جادة لجذورها ولتشعبها ولامتدادها بشكل معلن أو خفى؟