عيادة علاج إدمان المحمول!

30-5-2019 | 00:53

 

بعد أن كانت الغالبية العظمى من الناس تنام ليلا إما على كتاب تقرأه أو على سماع محطات الإذاعة الشهيرة، خاصة القرآن الكريم ولندن وصوت العرب وإذاعة الشعب..


حتى الثمانينيات كنا نتابع بشغف إذاعة لندن، وكنا نترقب رأس الساعة لنسمع عبارة "هنا لندن" بحثًا عن نشرة الأخبار الصادقة، ولا ننسى أبدًا أصوات مذيعيها حسام شبلاق، وماجد سرحان، ومديحة رشيد المدفعي، وأيوب صديق، وهدى الرشيد، ورشاد رمضان، ومحمود المسلمي، وحسن الكرمي، وبرنامجه "قول على قول"، وكل برامجهم المتنوعة..

وفي الوقت نفسه، كنا نحفظ مواعيد إذاعة برامج تلاوات القرآن الكريم فى السهرة، ونحفظ جدول أسماء المقرئين طوال أيام الأسبوع، وكثيرًا ما اعتدنا سماع برنامج "خمسة فرفشة" على إذاعة الشعب، حيث يعقبه مختصر عناوين صحافة الغد، ولا ننسى أبدًا خواتيم الإذاعات كل ليلة، وأبرزها صوت العرب مع "أمجاد ياعرب أمجاد"!

اليوم، صارت الغالبية العظمى من الناس - ربما من دون استثناء - تنام على تصفح هاتفها المحمول، فحين يقرر أي منا النوم صار من المعتاد أنه سيبقى نحو نصف الساعة على الأقل، وهو يقلب هاتفه المحمول، بحثًا عن "إعجاب" أو "تعليق" أو "مشاركة" على ما كتبه على صفحته، أو ينثر هو بعض إعجاباته أو مشاركاته أو تعليقاته على صفحات الآخرين، أو يتابع آخر "تويتات" الأصدقاء وآخر الأخبار، وبالمرة يتصفح رسائل وفيديوهات الواتساب ويُعيد إرسالها للأصدقاء، حتى إن البعض أصبح ينام وهو يمسك بهاتفه الذكي، ويعود ليمسكه مرةً أخرى بعد أن يصحو من نومه، حتى صار بالنسبة لأكثرهم "بابا وماما وأنور وجدي"!!

اللهم لا اعتراض على التطور، فهو من سنن الحياة، وبفضل التكنولوجيا في زمن العولمة والتطور السريع في تقنية المعلومات والاتصالات، وما تلاها من إنترنت، وكل وسائل التواصل الاجتماعي ، أصبح العالم عند أطراف أناملك، ما جعل من مقولة - كنا ندرسها فيما مضى في كتب الإعلام للعالِم "مارشال ماكلوهان" - "العالم سيصبح قرية كونية"، حقيقة واقعة، وربما أسرع مما تصورها "ماكلوهان" نفسه.

فيما مضى، كنا نتعامل مع وسائل الاتصال المتاحة، نسمع الإذاعات، ونشاهد محطات التليفزيون المحلية، ونقرأ الصحف والمجلات والكتب؛ لكننا لم نفقد التواصل الاجتماعي بيننا، أما اليوم، فصرنا بالفعل نتابع كل مايجري في أي مكان في العالم في التو واللحظة من على هواتفنا الذكية المحمولة؛ بل والكثيرون منا لهم أصدقاء على صفحاتهم التي أصبحت عابرة للقارات يتابعونهم ويناقشونهم، لكن ذلك غالبًا ما يتم في عالم أصابه الخرس، فإين هو التواصل الاجتماعي؟ إذا كنا فقدنا حتى الحوار العائلي فيما بيننا، برأيي أنه تحول إلى عالم من "التقاطع" الاجتماعي.

لكن ما يضاف إلى ذلك، أنه لم نسمع يومًا حتى التسعينيات - وربما أوائل القرن الحالي - أن فلانًا من فرط إدمانه الاستماع إلى الإذاعات أو قراءة الصحف أنه بات منفصلًا عن عالمه المحيط به، لكننا اليوم نرى ذلك بكل وضوح، حتى صار إدمان المحمول مرضًا يستدعي العلاج!.

فإدمان الهواتف الذكية بات ظاهرةً مرضيةً غيرَ طبيعية، وهوسًا، صار الناس غيرَ قادرين على الابتعاد عنه حتى وهم يعبرون الشوارع، وتكشف دراسة أجريت مؤخرًا على مجموعة من الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف الذكية، أنها ذات تأثير سلبي على الحياة الشخصية، وتستخدم كوسيلة لجرح المشاعر، فضلًا عما هو معروف من مشاكله الصحية، كإجهاد العين وآلام الظهر والكتفين تمتد حتى العمود الفِقْريّ.

ومن أضراره النفسية الإصابة بـ"النوموفوبيا" وهو شعور الخوف من قضاء اليوم من دون هاتف، والإحساس بأنه هو من يجعلك تشعر بالأمن والأمان؛ لكنه في الحقيقة نوع من أنواع الأمراض النفسية التي تعرف بالرُهاب، والإصابة بالقلق وهو أحد الأمراض النفسية التي يحتاج علاجها إلى وقت طويل، ويمكن الإصابة به من جراء التفكير المستمر في عدد المكالمات التي فاتتك ولم ترد عليها، أو الإدمان على الرسائل النصية، ويمكن للهواتف أن تكون لها يد في الإصابة باليأس والكآبة، فمن خلال متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، ومراقبة الغير، قد تصل إلى مرحلة عدم الرضى عن النفس.

والأخطر من ذلك أن العَلاقات الأسرية تتضرر بشدة من جراء إدمان المحمول ، ففى مقابل كل دقيقة اهتمام بالهاتف الذكي يقابلها دقيقة إهمال بحق أحد أفراد الأسرة في التواصل، وعلى الصعيد النفسي يشجع إدمان المحمول الانفعالية لدى الفرد والنرجسية، ويستبدل العَلاقات الإنسانية الطبيعية بعَلاقات وهمية كاذبة، وكل ذلك يصب فى غير صالح نفسية المدمن.

الغريبُ أنه عندما يتم منع بعض الأشخاص من استخدام الهاتف المحمول، فإنه يحدث لهم بعض الأعراض المشابهة لمنع المخدرات عن مدمنيها، مثل الشعور بالتوتر والقلق والعصبية والتعب والهزال وشعور عام بعدم الراحة!!

لكل ذلك أعتقد أنه بات من الضروري - وبشكل بات مُلحًا - أن تنشئ المستشفيات الكبرى وعيادات علاج الإدمان، عيادات لعلاج إدمان المحمول ، ولن يكون غريبًا أن نرى عما قريب طبيبًا نفسيًا يكتب على عيادته بأنه متخصص فى علاج " إدمان المحمول "!

مقالات اخري للكاتب

شرطي المستقبل؟!

في ليلة من ذات الليالي في العام 2060، يستيقظ رامي فزعًا على وقع أحداث جريمة مروعة في منزله، اختطف فيها أربعة جناة طفلته الوحيدة، ونهبوا كل ما لديه من وثائق وعملاته الرقمية من البتكوين، والأدهى من ذلك أنهم عطلوا قبل كل شيء منظومة البيت الذكي الذي يسكنه..

الوباء الغامض!

‏"أرجوكم خذوا ابنتي" صرخة أم عالقة مع ابنتها المصابة بالسرطان يرفضون خروجها لتلقي علاجها.. ولحظة مؤثرة لأب صيني من خلف الزجاج العازل يغالب دموعه أمام طفله

نهاية عصر الخصوصية!

نهاية عصر الخصوصية!

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]