أطعم الفقراء "هريسة" في رمضان ولم يدفع زكاة قط.. مقتطفات من حياة الليث بن سعد فقيه مصر وحاكمها

20-5-2019 | 14:18

الليث بن سعد

 

القاهرة - أميرة الشرقاوى

وافته المنية منذ نحو 12 قرنًا من الزمان، إلا أن أفعاله وسيرته العطرة خلدت بقاءه في نفوس المصريين، خاصة الفقراء منهم، وهو ما جعل مسجده أحد أهم المساجد الأثرية في القاهرة.

في حي مصر القديمة، وتحديدًا في منطقة عين الصيرة، يقع مسجد الليث بن سعد، أحد فقهاء الإسلام، الذي اشتهر بفتواه وعلمه وسعة معرفته، فهو الشيخ الذي لم يدفع زكاة قط؛ لأنه كان يوزع ماله حينما يجتمع بين يديه، فلم يحل على ماله حول قط، ليتحول قبره إلى مقام، يدعو المصريون أمامه خالقهم متبركين بصاحب المقام.

قلقشندة مسقط رأسه

ولد الليث بن سعد القلقشندي في قرية قلقشندة التابعة لمركز طوخ في محافظة القليوبية، في عام 93 هجرية، ويوجد حتى الآن منزلاً يحمل اسم عائلته "قلقشندة".

الليث يرفض الولاية

لقب الليث بن سعد بـ "فقيه مصر وحاكمها ومدبرها"، بحسب الدكتور عبدالباقي سيد القطان، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة عين شمس، موضحا لـ "بوابة الأهرام"، أنه أحد علماء مصر، وامتد علمه للعراق والعالم الإسلامي، ورغم عدم توليه منصبا قضائيا، إلا أن القاضي كان يعود إليه في الفتوى، وعرض عليه هارون الرشيد والمنصور الولاية فرفضها.

هريسة الليث بن سعد

بنى الليث دارًا أنشأ لها 20 بابًا، ويقول أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية إن الفقراء كانوا يأتون لأكل "هريسة" الليث بن سعد في رمضان، وكانت تُصنع بطريقة لا تُشعر الناس بالجوع، وعرف عن الليث الكرم، فيذكر أن امرأة سألته عن "شربة عسل"، فأمر خازن المال بإعطائها "المرط"، وهو ما يعادل "برميل"، قائلاً: "سألتنا عن قدرها.. ونعطيها على قدرنا".

وفي رواية أخرى، جاءته امرأة تشتكي إليه مرض ابنها، وقد اشتهى عسلا، حاملة إناء، فأعطاها "جرة" من العسل، أي بما يزيد عن 50 كيلو جراما، فقال له كاتبه إنها ترضى باليسير، فقال له: "إنها سألت على قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر النعمة التي أنعم الله بها علينا"، وكان أيضا يتصدق على 300 مسكين في اليوم والليلة.
 
ويذكر عنه، أن صديقه الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، طلب منه قليلا من "عصفر" -مادة تستخدم في الصباغة- فأرسل إليه الليث ما صبغ به ثيابه وثياب أبنائه وبناته وملابس الجيران، وباع ما تبقي منه بألف دينار.

أصول الليث بن سعد

ويذكر المؤرخون، أن " الليث" من أصول فارسية، استوطنت أسرته مصر منذ عقود قبل ميلاده، ونشأ في "بيت عز" وكانت تحت يده ثروة ضخمة، أنفقها في العلم وسد حاجات الناس، فكان مثالا للزهد لا يأكل إلا الخبز، ويجود بالعزيز للفقراء وبسطاء الناس، وكان يُطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر، وفي الصيف اللوز في السكر.

عاصر الليث في التاريخ الإسلامي، الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وهي الفترة التي شهدت بروز المذاهب الفقهية المختلفة، كمذهب الزيدية والجعفرية والحنفية والمالكية والأوزاعية، وغيرها من المذاهب التي اندثر معظمها، وكان لليث مذهبه المعترف به في العالم الإسلامي كله، خاصة أنه برع في الحديث النبوي والفقه الإسلامي، ففاق علمه فقهاء زمانه.

مسجده الليث بن سعد.

أنشأت وزارة الأوقاف مسجد الليث بن سعد في عهد خديوي مصر عباس حلمي الثاني ســنة 1322 ميلادية، ويقع المسجد في شارع الإمام الليث، وبعد وفاته دُفن في المقبرة الصغرى في ضريح الإمام الشافعي.

وحزن الإمام الشافعي، على موت الليث بن سعد، وأسف على موته قبل أن يلتقي به، ويتعلم علي يديه، وقال الشافعي: "الليث أفقه من مالك، إلا أن تلامذته ضيعوه"، لذلك ضاع مذهبه وتوزعت فتاواه بين صفحات الكتب، ومن المعروف -بحسب الدكتور عبدالباقي القطان- كان الإمام مالك يرسل من المدينة المنورة إلى الليث في الفسطاط يطلب رأيه في أمور فقهية.

اقرأ ايضا: