أم الدنيا.. صانعة الحضارات

21-5-2019 | 00:28

 

فكرتُ منذ فترة أن أتفرغ لإعادة كتابة تاريخ مصر، واسترداد ما سرقه البعض من سُمعتها وكرامتها، ومحاولتهم الدائمة للتقليل من قيمتها ومن دورها المحوري في المنطقة العربية وفي التاريخ الإسلامي، بل على مدار التاريخ، والحمد لله وببركة الشهر الكريم ها قد بدأت. وقراءة بسيطة وسريعة في التاريخ تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مصر.. الأرض والشعب، أغنى من كل دول العالم، وهي بلد ليس فقيرًا، وإنما هي عامرة بالخيرات وتزخر بالكفاءات منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا، فقط تريد من يحسُن استغلالها وتوجيه دفتها الوجهة الصحيحة والسليمة.

نعم مصر هي "أم الدنيا" وبلد الحضارات، ومن لم يقل ذلك فليس مصريًا ولا يعرف تاريخ مصر ولا تاريخ المصريين، ورحم الله عاشق مصر ومؤرخ نضال المصريين في العصر الحديث الشاعر والرسام والصحفي العبقري صلاح جاهين عندما قال: (عـلي اسـم مصـر التـاريـخ يقدر يقول ما شاء/أنـا مصـر عنـدي أحـب وأجـمـل الأشـيـاء) في تلك القصيدة التي يجب أن نعلمها للتلاميذ في المدارس، وأن تكون نشيدًا يتغنى به كل من حب مصر ويعرف قيمة هذا الوطن الغالي.

من يقرأ تاريخ مصر يرَ عجبًا ويقف على حقيقة تقدم الأمم وصناعة الحضارات، ويعرف أن المصريين جزء من عبقرية مصر؛ لأن الرجال والنساء في مصر هم الذين صنعوا هذه الحضارة، وفضلهم ليس على مصر وحدها ولكن على العرب جميعًا وعلى كل المسلمين.

هذا ما أكده رب العزة سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم، وجاء في التوراة والإنجيل، واعترف به علماء الغرب قبل شرقه، وما أقره وشهد عليه عظماء العالم وأشهر قادته، وكتبه المؤرخون والعلماء.

اقرأ معي ما كتبه ابن الكندي المصري: "فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض، والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعًا، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه؛ بالكرم وعِظم المنـزلة، وذكرها باسمها، وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية، والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيدًا، ومع ذلك رُوي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في مصر وعَجَمها خاصة - أي القبط؛ وجاء في معجم: "القاموس المحيط" (قبط) ق ب ط: القِبْطُ بوزن السبط أهل مصر؛ وهم بنكها أي أصلها- وذكره صلى الله عليه وسلم لقرابته ورحمهم، ومباركته عليهم وعلى بلدهم، وحثه على برهم ما لم يُرو عنه في قوم من العجم غِيرهم..

ومع ما خص الله به مصر من الخصب والفضل، وما أنزل فيها من البركات، وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلدًا غيرها، ولا أرضًا سواها.

فإن ثَرّب علينا مُثّرِّب بذكر الحرمين، أو شَنّع مُشنع، فللحرمين فضلهما الذي لا يُدفع، وما خصهما الله به مما لا ينكر، من موضع بيته الحرام، وقبر نبيه عليه الصلاة والسلام، وليس ما فضلهما الله به بباخسٍ فضلَ مصر، ولا بناقص منزلتها، وإن منافعها في الحرمين لبينة؛ لأنها تُميرهما بطعامها وخصبها وكسوتها وسائر مرافقها، فلها بذلك فضل كبير، ومع ذلك فإنها تطعم أهل الدنيا ممن يرد إليها من الحاج طول مقامهم يأكلون ويتزودون من طعامها من أقصى جنوب الأرض وشمالها ممن كان من المسلمين في بلاد الهند والأندلس وما بينهما، لا ينكر هذا منكر، ولا يدفعه دافع، وكفى بذلك فضلًا وبركة في دين ودنيا.

وقال الحجاج بن يوسف الثقفي عن مصر والمصريين في وصيته لطارق بن عمرو حين صنف العرب فقال عن المصريين: لو ولاك أمير المؤمنين أمر مصر، فعليك بالعدل فهم قتلة الظلمة وهادمو الأمم، وما أتى عليهم قادم بخير إلا التقموه كما تلتقم الأم رضيعها، وما أتى عليهم قادم بشر إلا أكلوه كما تأكل النار أجف الحطب؛ وهم أهل قوة وصبر وجلدة وحمل، ولا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم، فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه، فاتقِ غضبهم ولا تشعل نارًا لا يطفئها إلا خالقهم، فانتصر بهم فهم خير أجناد الأرض، واتقِ فيهم ثلاثًا: نساءهم فلا تقربهن بسوء، وإلا أكلوك كما تأكل الأسود فرائسها، وأرضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم، ودينهم وإلا أحرقوا عليك دنياك.

وإن كان في العمر بقية نبحر في تاريخ مصر وعبقرية المصريين، لنقول لكل مدعٍ إن مصر غنية بحضارتها وشعبها.

Dr.Ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.

"مصطفى سامي".. المثل الأعلى للعطاء والسمو والرفعة

خلال سنواتي في "الأهرام" أحببت بعض الشخصيات التي كان لها دورها المؤثر في حياتي الشخصية والمهنية، وفي كل مرحلة من حياتك، هناك من تجد نفسك مرتبطًا بهم نفسيًا

سمير "صبحي".. جريدة تمشي على قدمين

كما في حياة الأمم والشعوب قادة ورجال يصنعون التاريخ ويُسطْرون بمشوارهم مسيرة شعب، برغم أن كُتاب التاريخ ومؤرخيه لم يهتموا بهم، في دنيا الصحافة رجال خطوا

الرجل "الدهبي"

في مهنة الصحافة، التي تأكل أصحابها بأيدي أهلها، إلا قليلأ منهم، الذين يعرفون للأساتذة أقدارهم، هناك جنود مجهولون، يعملون من خلف الستار، برغم أن ما يقومون

"صلاح جلال".. الصحفي الإنسان

منذ أول يوم لي في مؤسسة الأهرام تعرفت على الصحفي الكبير قولًا وعملًا صلاح جلال، تعلمت منه فعل الخير، والتواضع وحب الناس وخدمتهم والتفاني في العمل والموضوعية والوقوف إلى جانب الحق وعدم التنازل عن المهنية مهما كانت الضغوط، فقد ظل مرفوع الرأس منذ أن عرفته عام 1976، حتى وفاته في فبراير1991.

مادة إعلانية