من حساب المثلثات إلى رباعيات الأشعار.. من هو عمر الخيام الذي تحتفي به "جوجل"؟ |صور

18-5-2019 | 17:20

تمثال عمر الخيام فى مدينة نيسابور

 

أحمد عادل

وزير عالم وأديب فيلسوف، شأنه كشأن آلاف العلماء الموسوعيين الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، على يديه تحولت لغة الأرقام إلى معادلات حسابية لايزال معمولا بها إلى وقتنا الراهن، وبين شفتيه تدفقت أروع الأشعار لترسم أبهى الصور للغة الشاعرة ليس في العربية وحسب بل في سائر اللغات العالمية، فرباعيته لا تقل إبداعاً عن إلياذة هوميروس وكوميديا دانتى.. إنه الوزير العالم عمر الخيام التي تحل اليوم ذكرى ميلاده 971، والتي جعلها محرك البحث "جوجل" حدثاً إنسانيا دعاها للاحتفال.


البداية من نيسابور .. قلب خراسان النابض، وإحدى القواعد الحضارية الكبرى للإسلام فيما وراء نهر الفرات، حيث صبغها الإسلام بصبغة علمية ومعرفية جعلتها تحفر لنفسها مكانة بارزة بين سائر الأقطار، هناك وفى الثامن عشر من مايو عام 1048م الموافق لعام 440هـ، ولد غياث الدين عمر بن إبراهيم، لأسرة كان يعمل عاهلها في نسج الخيام؛ لتلازم هذه المهنة طفلها الجديد الذي سيعرف فيما بعد بـ"عمر الخيام".

لا تمدنا المصادر التاريخية بالكثير من المعلومات عن طفولة ابن الخيام، لكن بعضها ذهب بأنه ينتمي إلى نسب عربي، لكن الأكيد أن أسرته دفعته دفعاً إلى طلب العلم فانطلق يلتمسه بين الكتاتيب وحلقات المساجد على ألسنة الشيوخ وبين أرفف المكتبات.

وبينما كان الخيام منطلقا في رحلته العلمية، تجمعه الأقدار بمزاملة صديقين آخرين، فتعاهد ثلاثتهم على طلب العلم والمودة الخالصة، فإن وصل أحدهم إلى سنام السلطة، وأقبل عليه الزمان، وحالفه الحظ فليأخذ بيد رفيقيه، أصبح الأولفيما بعد الوزير الأشهر نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ملك شاه، ومؤسس المدارس النظامية في بغداد، أشهر مدارس علمية فى المشرق آنذاك، والثانى حسن الصباح مؤسس طائفة الحشاشين المتطرفة التى عُرفت على الساحة السياسية بدءاً من القرن الخامس وحتى السابع الهجري على أنها أخطر جماعة اغتيال مسلحة.

تمثال عمر الخيام فى مدينة بوخارست



تحقق الحُلم الذى راود الفتيان الثلاثة فى زمن الصفاء أثناء طلبهم العلم فى نيسابور، وسرعان ما أصبح نظام الملك وزيرا متصرفاً فى أمر الدولة السلجوقية، وصاحب الحل والعقد فيها، فرفع من مكانة عمر الخيام إلى أظهر نبوغه فى العلوم العقلية مثل الرياضة والفلك والموسيقى فضلاً عن ميله إلى الأدب والفلسفة، ومنحه راتبا شهرياً قدره مائتى وألف مثقال ذهب شهرياً، أما الصباح فقد بات وزيراً من بين الوزراء الذين يعملون تحت قيادة نظام الملك، لكن نفس الصباح الطامحة للسلطة لم تكن لترضى بما قدمه صديقه نظام الملك، وبدأ ينجرف إلى جماعات الرأى والكلام التى كانت تدعمها بعض الفرق المذهبية المتطرف، ثم سرعان ما كون الصباح طائفة الحشاشين، وأسكنهم قلعة فى جنوب بحر قزوين أطلق عليها اسم قلعة "ألموت" أو "عش العقاب" كما يعنى اسمها، وكان صديقه السابق نظام الملك على رأس قائمة الاغتيالات السياسية التى نفذتها طائفة الحشاشين التى يقودها الصباح، وتمكن بالفعل من هذا فى عام 1092م/ 484هـ.

أما الخيام، فقد ساعدته النهضة العلمية فى عصره، والرعاية التى بذلها له صديقه نظام الملك، فضلاً عن شخصيته المتفردة فى أن يكون واحداً من أبرز علماء الرياضيات، حيث اشتهر بالجبر، واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه، والذي صار التقويم الفارسي المتبع إلى اليوم.

وتمكن الخيام من اختراع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وهو أول من استخدم الكلمة العربية "شيء" التي رسمت في الكتب العلمية البرتغالية (Xay)، وما لبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها "x" الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول، وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد أصفهان.

ومن حساب المثلثات إلى صياغة الرباعيات الشعرية برع الخيام فى حلبة الشعر، ووصلت إلينا رباعياته الخالدة مكتوبة باللغة الفارسية، وهى عبارة عن مقطوعة شعرية مكونة من أربعة أبيات، يكون الشطر الثالث فيها مطلقا بينما الثلاثة الأخرى مقيدة، والرباعيات فى مجملها أشعار تفيض بالحكمة، ورثاء العمر الضائع، ومحاولات الإنسان العبثية فى اللهث وراء أمانى وطموحات يائسة، والتساؤل عن جدوى رحلة الحياة التى يقطعها الإنسان، والركون إلى الرضا بعد وقفات طويلة أمام صخب الذات.

ضريح عمر الخيام فى نيسابور



وقد حظيت رباعيات الخيام بعدة تراجم لعل أشهرها ترجمة شاعر الشباب أحمد رامى، حيث نقل الرباعيات من الفارسية إلى العربية، وقد انتقت سيدة الغناء العربية بعض أجزاء منها بعد أن لحنها الموسيقار رياض السنباطى لتخرج فى ثوب غنائى بديع، لتصبح تلك القصيدة من عيون القصائد المغناة فى موسيقانا العربية، وتقول كلماتها التى غنتها أم كلثوم:

سمــعت صـوتاً هاتــفاً في السحر نادى من الغـيب غفاة البشر
هبوا املأوا كــأس المـنى قبل أن تملأ كأس العـــمر كف القدر
لا تشـــغل الـبال بماضى الزمان ولا بـــــآت العيش قبل الاوان
واغنم من الحــاضـر لـذاته فلـــيس فى طبع الليالى الامان
غدٌ بظـــهر الغـــيب واليوم لــي وكم يخيب الظـن فى المقــــبل
ولســت بالغافـل حــتى أرى جمال دنياى ولا أجتـلى
القـــلب قـــد أضناه عشق الجــمال والصدر قد ضاق بما لا يُقــال
يارب هل يرضـــيك هذا الظمأ والماء يـنساب أمامى زلال
أولى بهذا القـــلب أن يخفــق وفي ضـــرام الحب أن يُحرق
ما أضيع الـيوم الذي مـر بـي من غير أن أهوى وأن أعـشق
أفـــق خفـــيف الــظل هذا السـحر نادى دع الـــــــنوم وناغ الوتر
فــــما أطـــال الـنوم عـــــمراً ولا قصر فى الأعمار طول السهر
ـــــكم تــوالى اللـيل بعد النهـار وطال بالأنـجم هذا المدار
فامش الهـــوينا إن هــذا الثرى من أعين ساحـــــرات الإحورا
لا توحش النــــفس بخوف الظنون واغنم من الحاضر أمن اليقين
فقد تســـاوى فى الثرى راحلٌ غداً وماضٍ من الوف الســنين
أطفىء لظى القلب بشهد الرضاب فإنما الايام مثل السحاب
وعــــيشنا طيف خيال فنل حظك مـنه قبل فوت الشــباب
لبست ثوب العيش لم استشــر وحــرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنــــضو الثوب عني ولم أدرك لمـاذا جئت وأين المفر
يا من يحـار الفهم فى قدرتك وتطلب النفس حمى طاعـــتك
أسـكرنى الإثـم ولكننى صـــحوت بالآمال فى رحمتك
إن لم أكن أخلصـــت فى طاعتك فإننى أطمع فى رحمتك
وإنمـا يشـــــفع لي أننى قد عـــــشت لا أشرك فى وحدتك
تُخفى عن الـناس سنى طلعتك وكل ما فى الـكون من صنعتك
فأنت محـــلاه وأنت الـذي تـــرى بديــع الصنع فى آيــتك
إن تُفصل القطــــــرة من بحرها ففى مـداهُ منتهى أمرها
تقاربت يارب ما بيننــا مسافة البعد على قــدرها
ياعالم الأسـرار علم الـــيقين ياكاشف الضر عن البائسيــــن
ياقابل الأعــذار عدنا الى ظلك فاقــبل توبـة التائبيــن

توفى الخيام بعد حياة علمية حافلة عن عمر ناهر الثالثة والثمانين، ودفن فى مسقط رأسه فى مدينة نيسابور عام 1131م.

احتفال جوجل بعمر الخيام

مادة إعلانية

[x]