وزير الأوقاف يكتب لـ"بوابة الأهرام": رمضان شهر الدعاء والإجابة والإنابة

17-5-2019 | 13:29

الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

 

إذا كان نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) قد قال: "ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها"، فإن شهر رمضان المبارك من كل عام هو وبلا أدنى شك شهر النفحات والرحمات والبركات، وهو شهر الدعاء والإجابة والإنابة".


وفي افتتاح الملتقى الفكري الذي أقيم بساحة مسجد الإمام الحسين (رضي الله عنه) بمدينة القاهرة، وفي مستهل لياليه رأيت الوجوه المخبتة، المقبلة على الله - عز وجل، الذاكرة له، المصلية على الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم )، فأدركت أن أمة هذا حالها في الإقبال على الله (عز وجل) وعلى دينها، وعلى حب رسولها (صلى الله عليه وسلم) لا يمكن أن تخذل أو تضام، أو تفنى أو تذل، ألم يقل نبينا (صلى الله عليه وسلم): "أعطاني ربى لهذه الأمة أمانين "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ".

لقد تفرست الوجوه المحبة لدينها ووطنها التي حضرت الملتقى فأيقنت وبلا أدنى ريبة أو شك أن الكثرة الكاثرة من أبناء هذا الوطن على أتم استعداد للتضحية بكل ما تملك في سبيل دينها وفي سبيل وطنها، وفي الدفاع عن نبيها (صلى الله عليه وسلم)، وتذكرت تلك الصحابية التي نعي إليها زوجها وأخوها وأبوها في غزوة أحد، فقالت: ماذا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟، فقالوا: هو بخير، فقالت: لا حتى أنظر إليه، فلما نظرت إليه واطمأنت أنه بخير، قالت: كل مصيبة دونك تهون يا رسول الله.

وفي غزوة بدر يروي سيدنا عبدالرحمن بن عوف، أنه وجد نفسه بين فتيين حدثين صغيرين، يقول: تمنيت أن أكون بين أفتى منهما، فإذا الذي عن يميني يسألني: ياعماه أين عدو الله أبو جهل؟ فقلت: يابني وما شأنك به؟ فقال: ياعماه سمعت أنه يسب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والله لئن وقع سوادي في سواده لا أفارقه حتى يزول الأعجل منها، وكان من الفتى الذي عن شمالي مثل ما كان عن الفتى الذي عن يميني، فاستبشرت وعلمت أن النصر قادم لا محالة، ونلاحظ أن الفتى لم يقل حتى أقتل عدو الله وهو في ساحة الحرب، وإنما قال حتى يزول الأعجل منا، فليس المهم أن أهزِمَ أو أُهزم، المهم ألا يُسبَّ رسول الله أو يساء إليه ونحن على قيد الحياة.

تذكرت ذلك في شهر الإنابة، شهر الدعاء والإجابة، فقلت علينا ألا نغفل عن الدعاء والابتهال إلى الله عز وجل في هذا الشهر الكريم أن يفرج عنا الكرب ويذهب عنا الغم، فقد ربط القرآن الكريم بين الصيام والدعاء برباط وثيق، ففي ثنايا حديث القرآن الكريم في سورة البقرة عن الصيام وفرضيته وبعض أحكامه يأتي قول الله تعالى: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان"، ليؤكد على ربط الدعاء بالصيام والصيام بالدعاء، وعلى أهمية الصيام في إجابة الدعاء، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): "للصائم دعوة لا ترد"، ويقول (صلى الله عليه وسلم): "ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يؤوب".

وقد قالوا: من رزق الدعاء رزق الإجابة، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): "إن الله عز وجل حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا خائبتين"، ويقول (صلى الله عليه وسلم): " إن لله (عز وجل) ملكا موكلا بمَن يقول: يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، فإذا قالها العبد ثلاثا قال الملك الموكل: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): " ما من مسلم يدعو الله (عز وجل) بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر، قال: " الله أكثر"، وسمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُوًا أَحَدٌ، قَالَ: " لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ".

وقال أحد العلماء الحكماء: عجبت لمن ابتلى بالمرض كيف يغفل عن دعوة أيوب عليه السلام: " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"، ومن ابتلى بالضيق كيف يغفل عن دعوة يونس عليه السلام "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وعجبتُ لمن ابتُـلى بخوفٍ، كيف يغفل عن قول الله عز وجل: " حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، وعجبتُ لمن ابتُـلى بمكرِ الناس، كيف يغفل عن قوله تعالى: " وَأُفَوِّضُ أَمْرِ‌ي إِلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ‌ بِالْعِبَادِ"؟

وقد سمى الدعاء في القرآن عبادة في أكثر من موضع، مما يدل على عظم مكانته، منها قوله سبحانه: " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"، وقوله فيما حكاه عن نبيه إبراهيم عليه السلام: " وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً"، مما يبين لنا عظم شأن الدعاء وأنه أساس العبودية وروحها، وعنوان التذلل والخضوع والانكسار لله عز وجل، والإخبات والإنابة إليه سبحانه وتعالى، ولهذا حث الله عباده عليه، وأرشدهم إليه، ووعدهم الإجابة منة منه وكرما.