التدريب والتأهيل لمواجهة التطرف في الصين

15-5-2019 | 12:55

 

الإرهاب والتطرف وجهان لعملة واحدة، فالوجه الأول وهو الإرهاب يشير إلى التدمير والقتل والخراب بكل أنواعه وأساليبه، أما الوجه الآخر وهو التطرف، فيشير إلى الانحراف يمينا أو يسارا بدرجات متفاوتة تجعله يقترب من الانتقال إلى الوجه الأول حسب درجات ذلك الانحراف، والذى يبدأ ببث أفكار ورؤى مغلوطة حول عدد من القضايا المختلفة تتصدرها القضايا العقائدية المرتبطة ب الأديان ، حيث يجد ذلك الفكر المنحرف أو المتطرف بيئة خصبة فى ظل وجود العديد من القوميات والعرقيات المتعددة فى مجتمع ما وفى ظل وجود دول وأجهزة استخبارات تسعى بكل قوة لنشر الفوضى وإعاقة جهود التنمية وبث الفرقة والتشتت داخل المجتمعات لتحقيق مصالحها على حساب التعايش السلمى بين أبناء الدولة الواحدة.

وهناك عشرات بل مئات النماذج لتلك الجماعات الإرهابية المتطرفة التى تبث سمومها الفكرية أولا فى عقول الشباب كخطوة تمهيدية لتحويلهم إلى إرهابيين يدورون فى فلكهم المتطرف، ولذلك اتخذت دول العالم إجراءات وقائية متعددة ومتنوعة طبقا لطبيعة كل دولة ورؤيتها لمواجهة الإرهاب والفكر المتطرف، ففى وسط تلك الإجراءات تبرز التجربة الصينية الرائعة فى مواجهة الفكر المتطرف فى مقاطعة شينجيانج ذاتية الحكم ل قومية الإيغور المسلمة والتى تقع شمال غرب الصين وتبلغ مساحتها 1.6 مليون كيلو متر مربع وعدد سكانها 25 مليون نسمة، وتضم ولايات كاشجار وإيلى وشانسى وأكسو وختيان، بالإضافة إلى مدينة أورومتشي العاصمة وتتميز بطبيعة خاصة جدا من حيث تركيبة السكان بها، فهى تضم أغلبية مسلمة من قوميات الإيغور والخوى والطاجيك والأوزبك و التتار إلى جانب قوميات صينية أخرى فى مقدمتها قومية الهان التى تشكل الأغلبية الكبرى للصينيين، وأيضًا تضم ثروات متعددة ومتنوعة فى كافة المجالات.

ورغم تلك الطبيعة الخاصة لهذه المنطقة، إلا أنها شهدت على مدار السنوات السابقة، العديد من العمليات الإرهابية التى راح ضحيتها العشرات بل المئات من الأبرياء من مختلف القوميات الصينية، مما دفع حكومة المقاطعة لإقامة متحف يرصد العمليات الإرهابية ويسجل مدى بشاعة الفكر الأسود وسعيه لتدمير المجتمع الصينى، ولذا فإن الحكومة الصينية بدأت تدرس خطورة الإرهاب وطرق التصدى له فكريا إلى جانب المواجهة الأمنية وبدأت تتكاتف أجهزة الدولة المختلفة فى كافة الولايات التابعة لمقاطعة شينججيانج بالتنسيق مع الحكومة المركزية، لدراسة أبعاد تلك الظاهرة وسبل محاصرتها والقضاء عليها وتجفيف منابعها.

وجاءت فكرة إنشاء مراكز للتأهيل وتدريب الشباب الذى تعرض لبعض الأفكار المتطرفة من قبل تلك الجماعات الإرهابية حتى تكون هناك فرصة لإعادة هؤلاء الشباب والفتيات مرة أخرى إلى المجتمع ودمجهم فى المسار الصحيح والسليم، بعيدًا عن براثن تلك الجماعات المتطرفة، حيث تم إنشاء مركزين للتدريب والتأهيل فى ولايتى أكسو وختيان، يضم كل منهما أقسامًا متنوعة للتدريب على الحرف المختلفة للشباب من الجنسين فى مجالات الصيانة بكافة أنواعها وتعليم هؤلاء الشباب كيفية كسب وظيفة داخل المجتمع، تدر دخلا ثابتًا لهم تكون بمثابة درع لحمايتهم.

وخلال زيارتى لمركزى التدريب والتأهيل فى أكسو و ختيان فى مقاطعة شينجيانج، اكتشفت زيف ما تروجه بعض وسائل الإعلام الغربية حول حقيقة ما يحدث داخل تلك المراكز ووصفها بأنها معسكرات لطمسم هوية القوميات الموجودة بالمنطقة وتعذيب الموجودين بها وإجبارهم على اعتناق أفكار لا تتوافق مع معتقداتهم الدينية، وبالقطع كلها أكاذيب ومحاولات من البعض لتشويه ما يحدث لتحقيق مصالح خاصة بهم وإعطاء صورة مغلوطة عن تعامل الحكومة الصينية مع المسلمين.

ولاشك أن ما شهدته داخل تلك المراكز يدحض تمامًا ما يتردد من معلومات مغلوطة حولها، فكل منها يضم ثلاثة مبانٍ، كل مبنى مخصص لغرض معين، فالمبنى الأول يضم قاعات تدريس تشمل دروس لتعليم اللغة الصينية الفصحى – دون المساس باللغات المحلية لأى قومية – بالإضافة إلى محاضرات من قبل متخصصين فى القانون والدين لتصحيح الأفكار الموجودة لديهم ونشر الفكر السليم، بالإضافة إلى تعليم هؤلاء الشباب إحدى المهن المرتبطة بسوق العمل حتى يجدوا فرص عمل لهم بعد انتهاء الدراسة والتدريب التى تستمر ما بين سبعة أشهر وعام كامل طبقًا لحالة كل طالب والمهنة التى يختارها.

أما المبنى الثانى والثالث فبهما ورش التدريب بمختلف أنواعها؛ سواء الكهرباء أو الميكانيكا أو الزراعة أو المساج أو تعليم فنون الطهى وتقديم الشاى بالطريقة الويغورية التقليدية، بالإضافة إلى أماكن الإعاشة والنوم والمجهزة تماما.

فالدراسة داخلية ويخرج الشاب أو الفتاة لزيارة أهله يوم الخميس ويعود مساء الجمعة؛ حيث يضم مركز ولاية أكسو 408 طلاب بينهم 268 شابًا و 146 فتاة، بينما يضم مركز ولاية ختيان ألف شاب وفتاة تتراوح أعمارهم بين 21 و 45 عامًا من قومية الإيغور خاصة من القرى الفقيرة فى أطراف المدن والولايات بالمقاطعة؛ حيث يحضرون إلى تلك المراكز طواعية أو بمساعدة الأهل.

واللافت للنظر أن مركزى التدريب يقعان وسط الكتلة السكنية وليسا فى الصحراء – كما يشيع البعض – حيث يضم كل مركز ملاعب متعددة الأغراض ووسائل ترفيه مختلفة إلى جانب تعليم فنون الموسيقى والرسم والرقص والذى يعد واحدًا من أهم ثقافة قومية الإيغور؛ حيث تجده فى كل المطاعم والمقاهى والفنادق، فهو جزء من حياة القوميات المختلفة داخل مقاطعة شينجيانج، حيث يمكننا القول إن مراكز التدريب والتأهيل داخل المقاطعة تمثل نموذجًا لمواجهة الفكر المتطرف ومحاربته بطريقة فكرية اقتصادية جديدة يمكن الاستفادة منها فى العديد من دول العالم.

telsonoty@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

كورونا وإفريقيا

لا شك أن الدول الأفريقية ليست بمنأى عن لدغة فيروس كورونا على الرغم من العدد القليل للإصابات بها حتى الان حيث بلغت الإصابات أكثر من 16 ألف أفريقي ووفاة

المصير المشترك للبشرية

لا شك أن ما يشهده العالم الآن من تداعيات خطيرة بسبب فيروس كورونا المستجد، وحالة الرعب والفزع المنتشرة في كافة الدول نتيجة الانتشار السريع وغير المسبوق

"كورونا" وثقافة الشعب الصيني

منذ اندلاع أزمة فيروس "كورونا" الشهر الماضي، ولم تتوقف أنفاس العالم كله عن ملاحقة أخبار ذلك الفيروس اللعين؛ الذي بات الهاجس الأساسي لمنظمة الصحة العالمية

إفريقيا التي نريدها

لا شك أن ما شهدته القارة الإفريقية على مدار العام الحالي - عام رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي - أسهم وبصورة كبيرة في تغيير الصورة الذهنية عن القارة السمراء

إفريقيا في "قلب" القاهرة

إفريقيا في "قلب" القاهرة

المنسيون في إفريقيا

على مدار أربعة أيام من المناقشات والحوارات الجادة في العاصمة الزامبية الجميلة لوساكا حضرت فعاليات مؤتمر وزراء الاتحاد الإفريقي المسئولين عن التسجيل المدني وإدارة الهوية والصحة والمعلومات والتكنولوجيا تحت عنوان "التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية في إفريقيا"

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]