"المسحراتي".. رجل رمضان الذي يعمل 30 يوما في السنة

13-5-2019 | 14:35

سيد مكاوى المسحراتى

 

شيماء شعبان

"أصحي يا نايم وحد الدايم.. وقول نويت بكرة إن حييت.. الشهر صايم والفجر قايم ورمضان كريم".. نداء يتجدد كل عام مع حلول شهر رمضان، ويجوب به المسحراتي شوارع القرى والأحياء من خلال قرع الطبول لإيقاظ الناس لموعد تناول طعام السحور.

فلكل حي "مسحراتي" أو أكثر حسب مساحة الحي وكثرة سكانه، ويبدأ جولته قبل موعد الإمساك بساعتين، ويضرب عليها بعصا، وكان يرافقه شخص آخر يحمل الفانوس، لما كانت إنارة الشوارع محدودة، ثم اختفى "الفانوس" وبقي المسحراتي الذي يعرف أصحاب الدور، فيقف عند أبواب بعضهم ويصيح باسمه ليوقظه.

ثلاث جولات
وكان لـ"المسحراتي" ثلاث جولات: إحداها يومية تشمل كل الحي لإيقاظ الناس وقت السحور، والثانية، يومية تشمل بعض الأحياء بالتناوب لجمع الطعام والمساعدات، ويصطحب معه في هذه الجولة مساعدًا ليحمل سلة وبعض الأطباق لوضع ما تجود به العائلات من أطعمة، ويضطر لوضعها مع بعضها في طبق واحد أحيانا، وأصبح الناس اليوم يجودون بالمال بدل الطعام، أما الجولة الثالثة "للمسحراتي"، فكانت أيام العيد لجمع العيديات من الناس، وترافقه في هذه الجولات طبلته التي هي بمثابة هويته الخاصة.
 

بلال بن رباح

يقول الدكتور عبد الباقي السيد، مدرس التاريخ والحضارة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس، لـ"بوابة الأهرام": "كان المسلمون يعرفون وقت السحور في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، بأذان بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عن الطعام بأذان عبد الله ابن أم مكتوم، فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "ابن مكتوم يؤذن بالليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن بلال، وعرف آنذاك بالفجر الكاذب والفجر الصادق".
 

العصر الفاطمي
وأضاف أن أول من نادي بالتسحير "عتبة بن إسحاق" سنة 228 هـ وكان يذهب ماشيًا من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص، وينادي الناس بالسحور، وأول من أيقظ الناس على الطبلة، و في العصر الفاطمي كان المسحراتي، ينادي "يا أهل الله قوموا تسحروا"، ويدق على أبواب المنازل بعصا كان يحملها في يده.

ثم بعد ذلك تطور الأمر فكان "الزمزمي"، وهو ما ذكره ابن جبير في رحلته بالعصر الأيوبي كان ينادي في مكان معين له ليسمع أهل مكة من أجل السحور، وكان يتبع طريقة خاصة بحيث يرخي طرف حبل في يده يتدلى منه قنديلان كبيران حتى يرى نور القنديلين من لا يستطيع سماع ندائه من فوق المسجد.

ابن نقطة

وتابع: "أما في العصر العباسي في بغداد فكان ابن نقطة، أشهر من قام بالتسحير، إذ كان موكلاً إليه إيقاظ الخليفة العباسي. وكان ابن نقطة يتغنى بشعر يسمى (القوما) مخصص للسحور، وهو شعر شعبي له وزنان مختلفان، وقد أُطلق عليه اسم القوما لأن ابن نقطة كان ينادي ويقول: "يا نياما قوما.. قوما للسحور قوما" وهو يعد من أشهر المسحراتية.

وأشار إلى أن في العصر العثماني أخذ ت مهنة المسحراتي في الازدهار، حيث تطورت بعد ذلك ابتكروا الطبلة ليحملها المسحراتي ليدق عليها بدلا من استخدام العصا، هذه الطبلة كانت تسمى "بازة"، وهي صغيرة الحجم يدق عليها المسحراتي دقات منتظمة، ثم تطورت مظاهر المهنة فاستعان المسحراتي بالطبلة الكبيرة التي يدق عليها أثناء تجوله بالأحياء وهو يشدو بأشعار شعبية وزجل خاص بهذه المناسبة، ثم تطور الأمر إلى عدة أشخاص معهم طبل بلدي وصاجات برئاسة المسحراتي، ويقومون بغناء أغان خفيفة؛ حيث شارك المسحراتي الشعراء في تأليف الأغاني التي ينادون بها كل ليلة، ومن أشهر هذه الأشعار: "أصحي يا نايم وحد الدايم.. وقول نويت بكرة إن حييت.. الشهر صايم والفجر قايم ورمضان كريم".

شروط المسحراتي

وأوضح أنه في عدد من البلدان استخدم المسحراتي العزف على "العيدان"، و"الطنابير" و"الصفافير" و"الطار" و"القيثارة"، مضيفا "يفترض أن تتوافر في المسحراتي شروط ومواصفات لا بد من أن يتمتع بها حتى يحظى بشرف تولي أمر التسحير، فيحب أن يكون ذا ثقة عند الناس، وحسن السمعة، ويتمتع بصوت جميل، ويجيد الإنشاد وشعر التسحير، وأن يعرف جميع سكان المحلة التي يجول فيها".

المسحراتي والفن

وأشار إلى أن مهنة المسحراتي قد جذبت عددًا كبيرًا من الفنانين والشعراء منهم بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وسيد مكاوي، الذين نجحوا في نقل المسحراتي من الأحياء والحارات الشعبية إلى شاشة التلفزيون والإذاعة، الأمر الذي دفع الممثلين للتطوع لتقديم شخصية المسحراتي في أسلوب فني رائع، ومضمون اجتماعي وتراثي، وكان أشهرهم الفنان الراحل "سيد مكاوي".

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية