هل يصوم الفاسدون؟!

8-5-2019 | 23:25

 

كلما مررت بحديث عن الفساد؛ أجدني منصتًا؛ علٌني أخرج منه بجديد؛ ومع تكرار هذه النوعية من الأحاديث؛ بدأ يسكن يقيني أنه لا جديد يمكن أن أسمعه؛ ما دامت الحال هيا الحال؛ والناس تتعامل مع هذا الملف بتلك الرعونة العجيبة؛ مع حالة التآلف الأغرب؛ أضحى الفساد جزءًا لا يتجزأ من حياتنا.


أحكى لكم اليوم عن واقعة حدثت في أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ كان لي صديق يعمل في أحد شركات الكمبيوتر الكبيرة آنذاك؛ وكانت شركته تورد أجهزتها لجهات وأماكن عديدة؛ ويقول صديقي؛ إنه أخذ عددًا من الأجهزة وذهب بها لأحد الأماكن لتسليمها؛ فوجد الشخص المفوض بتسلمها؛ يؤدي صلاة الظهر؛ فانتظره حتى أنهى الصلاة؛ ووجده في عقده الخامس؛ وما إن انتهت الصلاة؛ حتى بادره بتعريف نفسه؛ وبأنه الشخص المفوض بتسليم الأجهزة لشركته.

فما كان من الرجل؛ إلا أن طالبه بمكافأة نظير تسهيل إجراءات التسلم؛ فأخرج صديقي من جيبه؛ ثلاثة آلاف جنيه؛ وأعطاها للرجل؛ وبعد أن أخذها الرجل؛ توجه نحو أحد الأشخاص صائحا؛ ها هي أموال العمرة قد اكتملت! برغم أن الأصل في أموال الحج والعمرة أن تكون من حلال؛ ولا يوجد ما يبرر القيام بها من أموال حرام.

وقتها؛ تملكت الدهشة وجه صديقي؛ كيف يفعل هذا الرجل هذه الفعلة السيئة؛ وكيف يُحل حرامًا؛ ويأخذ مالًا بغير وجه حق؛ وينفقه في أداء العمرة!

ولا أنكر أن الدهشة تملكتني أنا أيضًا؛ ولكن رويدا رويدا؛ زالت دهشتي وذهبت بغير رجعة؛ هل تتذكرون الوزير الفاسد الذي تم القبض عليه في ميدان التحرير منذ بضع سنوات؛ كان يتلقى رشوة؛ وكان من بينها رحلات حج لأقاربه!

هكذا استطاع الأبالسة خلط الحلال بالحرام؛ مجتهدين في محو أي علامات تميز بينهم؛ ولا أعرف كيف أقنع إبليس هذا المرتشي بجواز أداء شعائر الحج بمال حرام؛ وكيف أقنعه بأن الله قد يقبل حجته وهى من مال حرام!
نعرج على فئة من البشر؛ متفردة؛ تُحل لنفسها أكل حقوق الغير؛ كمن يأخذ نصيب أخته في الميراث؛ تلبية لمقولة رددها أحد الآثمين؛ بأن المرأة لا تأخذ ميراثًا؛ لأنه سيذهب لزوجها؛ وأن هذا الميراث؛ هو حق أصيل للأولاد!
وبرغم أنه أكل مالًا ليس ماله؛ وهو يعلم ذلك تمامًا؛ إلا أنه قد يخشى أن يدخل جوفه ماء؛ وهو يتوضأ أثناء نهار رمضان؛ خوفًا من أن يُفطر!!

لأنه يخشى الله؛ ويحرص على صوم رمضان لله؛ وتناسى أن صيامه وقيامه قد لا يقبلون؛ كيف؟

إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؛ عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.. الحديث)؛ فما هو مفهوم الصوم؟

هل المقصود به؛ الابتعاد عن الشراب والطعام فقط؛ أم الصيام عنهم بالإضافة للابتعاد عن كل ما يغضب الله؛ وإذا كنا على يقين بأن الصيام يكون بالصوم عن الطعام والشراب والابتعاد عن كل ما يغضب الله والالتزام بنواهيه.
فهل يصوم الفاسد؟ ولماذا؟

في الحقيقة؛ هناك أُناس تحب النفاق والرياء؛ تخدعها الدنيا ببريقها وزينتها الكاذبة؛ فتظن أنها امتلكتها؛ بعد أن جلست على مقاعد المسئولية وسولت لهم ضمائرهم العفنة؛ التلاعب بمصائر الناس؛ فيمنح ويمنع كيفما يشاء؛ الأهم في كل ذلك طريقة استفادته.

ويتملكه غرور غريب؛ بأن ما يأخذه عنوة من الناس؛ حلالً؛ فينسى نفسه؛ ويقيم بعض الشعائر بهذا المال الذي أخذه عنوة؛ ويستكمل بقية حياته؛ صائمًا لله؛ يخشى أن يشرب أو يأكل؛ ولا يخشى أن يسرق أو يرتشي!

ونسي هو وأمثاله أن فوق كل ذي علم عليم؛ وأنه لا تخفى عليه خافية؛ فهو القائل؛ (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)؛ الآيتان 7 و8 من سورة الزلزلة.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.

ضرورة وجود آلية لضبط الأسعار

لا خلاف على أن ارتفاع الأسعار من العوامل المؤثرة على قطاع كبير من المواطنين، لاسيما بعد وصولها لمستوى يفوق قدرات الكثير من الناس، وبات حديث الأسعار قاسمًا مشتركًا للناس، ودائمًا ما ينتهي هذا الحديث بتمنياتهم بنزولها.

فن اللامبالاة

إنه فن قديم؛ ظهر منذ القدم؛ مع بدايات الإنسان؛ وكان أتباعه محصورين في قلة بسيطة؛ وكان ما يميز سلوكهم السلبي؛ هو افتقارهم المهارات الإيجابية؛ فتراهم منزوين؛

ما بين البناء والهدم

انقطع التيار الكهربائي أمس في منزلي لمدة دقائق لسبب ما، وعندما كنت على وشك مغادرة المنزل، عاد التيار الكهربائي مرة أخرى، فقال لي نجلى أفضل النزول على الدرج، خشية انقطاعه مرة أخرى.

أحق يراد به باطل؟!

أحق يُراد به باطل؟!