مقال رئيس التحرير

لم يعد حلما

8-5-2019 | 01:47

 

استغرق عبوري قناة السويس من الضفة الغربية إلى الشرقية دقائق معدودة، عبر كوبري الشهيد أحمد المنسي، بعدها وجدت نفسي وسط لوحة فنية بديعة اسمها مدينة "الإسماعيلية الجديدة"، التي كانت من بين مشروعات قومية عديدة في إقليم قناة السويس افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخرًا.

ففي هذه البقعة الغالية والعزيزة من أرض سيناء المقام عليها "الإسماعيلية الجديدة"، استدعت ذاكرتي عبارة قالها الرئيس السيسي في أحد خطاباته، وتتعلق بعبور الجسر ما بين التحديات والإنجازات، فهنا عبرنا فعليًا هذا الجسر، ولم تعد تنمية سيناء وتعميرها تحديًا وحلمًا صعب المنال؛ لأنه بات متحققًا على الأرض بفضل الجهد الجبار المبذول في هذا الإطار الذي قاد لربط سيناء بالدلتا، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه - حقًا وبدون مبالغة - المعجزة المصرية الخالصة.

نعم معجزة لابد أن نفتخر بها، ونروي تفاصيلها للمصريين على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم، معجزة ليس فقط بمقياس ما تم إنجازه وتشييده من مدن ومحطات كهرباء، وأخرى لمعالجة المياه، وطرق وبنية تحتية، ومن قبلها قطع يد الإرهاب، ولكن لقدرة العاملين في تلك المشروعات الضخمة على التغلب على الصعوبات الرهيبة المتمثلة في مخلفات حروب سابقة شهدتها سيناء، وبيئة صحراوية شديدة القسوة، فتجسدت هذه القدرة في إقامة أربعة أنفاق أسفل قناة السويس؛ سهلت العبور لسيناء خلال ٢٠ دقيقة، وجرى الانتهاء منها في وقت قياسي، وبمعدلات كانت موضع دهشة الجميع؛ منها مثلا أن معدل ماكينة حفر الأنفاق كان ١٣٤ مترًا في الشهر، وهو معدل أذهل الشركة الألمانية المنتجة لها.

إن ما رأيته بعيني في سيناء يؤكد أن اعتمادنا على الذات كان خيارًا صائبًا، ولم يكن هناك بديل سواه، حتى نتجاوز ما تعرضنا له من عثرات ومطبات، وضعت كيان الدولة المصرية في مهب الريح في السنوات التالية لثورة الخامس والعشرين من يناير، وأن استنادنا لهذا الخيار كان - ولا يزال - الضمان الحقيقي الذي أوصلنا لبر الأمان والسلامة، وأنقذ مصر من سيناريوهات كارثية كانت بعض الجماعات والدول تخطط لتنفيذها، وهي سيناريوهات تقوم على نشر الفوضى، ودعم الجماعات الإرهابية، وتقسيم البلاد لدويلات بين ميليشيات مسلحة كان يُراد تكوينها من قبل جماعة الإخوان الإرهابية على غرار الحرس الثوري الإيراني.

وعرفنا لاحقًا حجم ما كان يدبر لمصر على يد الإخوان الإرهابيين؛ بمساعدة قطر وتركيا وجهات أخرى، وخبرنا كذلك عمليًا أن خسائر الفوضى والانفلات أكثر من أن تعد وتحصى، وأنها تحرق في طريقها الأخضر واليابس، وتدمر فرص أجيال المستقبل في أن تنعم بوطن مستقر ومتطور اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا وتعليميًا وصحيًا وبيئيًا، ولا يغيب عنا قدر ما خسرناه خلال هذه الفترة الكئيبة من احتياطي نقدي، وهروب للاستثمارات الأجنبية، وتشوه صورة مصر في المحافل الدولية.

وقد أصاب الرئيس السيسي، خلال افتتاحه المشروعات القومية العملاقة بمدن القناة، حين قال: "إن بناء الدول يتم بالإخلاص والعرق والجهد والتفاني"، وأنه علينا مواصلة العمل بجد واجتهاد لتغيير واقعنا للأحسن، والدولة لا تدخر وسعًا في هذا المضمار؛ حيث تخصص مليارات الجنيهات للمشروعات القومية المنتشرة في ربوع بلادنا، ويكفي أن تعرف أن المشروعات في إقليم قناة السويس تبلغ تكلفتها نحو ٨٠٠ مليار جنيه، وما ينفق في سيناء غير مسبوق بكل المقاييس.

كما كان الرئيس موفقًا في تشديده على مبدأ تصحيح المفاهيم، خاصة في ظل الحملات الممنهجة من قبل الكارهين لمصر؛ لإثارة الغبار حول المشروعات القومية الكبرى وجدواها وعوائدها الآنية والمستقبلية، وجاءت النقاط التي تطرق إليها الرئيس السيسي في الصميم؛ لأنها تزيل التباسات عديدة يحاول الحاقدون والمغرضون النفخ فيها؛ لإشعال النيران حولها، ونشر الشائعات والأكاذيب بصددها، وتلخصت تلك النقاط في الآتي:

أولاً: أن الدور الذي تقوم به القوات المسلحة في المشروعات القومية ينحصر في الجانب الإشرافي؛ للوفاء بالالتزامات والاشتراطات الخاصة بها، وتسليمها في المواعيد المحددة، وأن شركات مدنية مصرية خالصة تتولى تنفيذها، وأن لدى القوات المسلحة مهامَ وأعباءً كثيرة تضطلع بها لحماية حدودنا ومواجهة الإرهاب، وأنها تقوم بها على أكمل وجه.

ثانيًا: أن الدولة هي من تقوم بالكشف عن العوار الموجود في القطاعات المختلفة، وتتصدى لعلاجه من جذروه؛ بغية توفير حياة أفضل وأرقى للشعب المصري؛ منها على سبيل المثال: "وقف الهدر في المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتطهير البحيرات، ورفع كفاءة المستشفيات الحكومية، وتطوير التعليم.. إلخ"، فهي لا تنتظر أحدًا لإرشادها إلى ما يجب عمله، وكيفية علاج الخلل المرصود هنا أو هناك.

ثالثًا: أن مفهوم حقوق الإنسان أرحب وأشمل بمراحل من اختزاله في جزئيات حرية التظاهر والتعبير، والإضراب عن العمل، فهناك الحق في الحياة، والرعاية الصحية، والتعليم الجيد، وفرصة عمل، وعدم إهدار مستقبل المواطنين ومستقبل أحفادهم، وأن تكون مصر في صدارة الدول وليس في ذيلها.

رابعًا: أنه من واجبنا جميعًا المحافظة على ما تحقق من إنجازات، وأن نحرص على الذود عنها، وأن يقبل الناس على الإقامة بالمدن الجديدة، وليس التعامل معها على أنه رصيد مخصص للأبناء حينما يكبرون ويحتاجون لشقة يبدأون منها حياتهم الأسرية.

إن ما تشهده سيناء من جهود تنموية كبيرة ـ 20% من استثمارات الدولة موجودة بمنطقة القناة ـ يبشر بأن مستقبلها زاهر، ويبعث على التفاؤل الكبير؛ لأن الدولة منذ البداية فطنت إلى حقيقة أن مجابهة الإرهاب والقضاء عليه لن تنجح بالشكل المأمول إلا بأن يكون إلى جوار المواجهة الأمنية خطط تنمية شاملة، وبكل تأكيد فإن اليد التي تبني وتعمر الأرض ستكون هي اليد العليا، خصوصًا مع وجود قيادة سياسية واعية حريصة على عدم المساس بالوطن من الداخل أو الخارج.

مقالات اخري للكاتب

واحة أمان

مرت ست سنوات على ثورة الثلاثين من يونيو، وخلال هذه السنوات تبدل حال ومكانة مصر لتحتل الصدارة، وتنال تجربتها المتميزة والمشهودة في النهوض الاقتصادي والمالي

المارد يلتهم أردوغان

تتوالى سقطات وانهيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي لم يكف يومًا عن بناء قصور واهية على الرمال خلال السنوات الماضية، والركض خلف أوهام وخيالات وهلاوس أفقدته توازنه النفسي والعقلي والسياسي، ودفعته لتجاوز كل الأعراف والتقاليد المتبعة والمرعية في العلاقات بين الدول بوقاحة وصفاقة منقطعة النظير.

الممر

الشريط السينمائي الجيد ليس جملة عابرة تتلاشى فور نزول تتر النهاية على الشاشة، حاملا معه أسماء المبدعين المشاركين في صناعته والسهر على كل تفصيلة صغرت أم كبرت فيه، لكنه إبداع متميز ومتقن وبإمكانه التحليق بك إلى عنان السماء.

أبطال كمين العريش

بينما كنا نتصافح ونتعانق وترتسم الابتسامة العريضة على شفاهنا، عقب صلاة عيد الفطر المبارك؛ ابتهاجًا وسرورًا بهذه المناسبة الجليلة، بعد انقضاء صيام شهر رمضان

يوم الحساب

​ها قد جاء يوم الحساب، الذي تخيل الإرهابيون أنهم بعيدون وبمنأى عنه، وأن أوكارهم ومخابئهم في الكهوف والتلال والجبال ستحول بينهم وبين دفع ثمن جرائمهم الآثمة والمخزية في حق مصر وشعبها.

خفايا المعركة مع هواوي

معركة تكسير العظام الطاحنة التي تقودها بجموح الولايات المتحدة، ومعها بعض البلدان الأوروبية ضد شركة "هواوي" الصينية، تتجاوز بمراحل المعلن من جهة إدارة الرئيس