الإصلاح الاقتصادي والمجتمع ونظرية ما بعد الحداثة (7)

12-5-2019 | 03:02

 

إن دراسات التقييم البيئي الشامل تقتضي مراعاة خصوصية كل مجتمع بشقيه، سواء على المستوى القومي أو على المستوى المحلي، لأنه قد تنجح إصلاحات معينة في مجتمع، ولا تصلح في مجتمع آخر، أو في زمن آخر في نفس المجتمع، وهذا ما تجمع عليه كافة الاتجاهات العلمية الحديثة، حيث يشير د.محمد كمال، إلى صدور كتاب من شهرين فقط، لأستاذ الاقتصاد الهندي في جامعة شيكاغو، د. راغورام راجان، بعنوان "العمود الثالث"، ونال هذا الكتاب اهتمامًا عالميًا كبيرًا على المستوى الاقتصادي والسياسي، وهو يتناول كيف أهملت الحكومات المجتمع واحتياجاته، وهذا هو العمود الثالث الغائب عن رجال الاقتصاد والسياسة، مما أدى لحدوث خلل كبير ترتب عليه مشكلات عديدة مهدت لظهور اتجاهات متطرفة يمينًا ويسارًا، وتصاعد الشعبوية والاشتراكية الجديدة وأفكار المواطنين وغيرها؛ وذلك لأن المواطن العادي شعر بالإهمال والتجاهل من قبل علماء الاقتصاد والسياسة.

ومن هنا تظهر أهمية الاهتمام بالمجتمع واحتياجاته، سواء على المستوى القومي أو المحلي، وأن يراعي متخذ القرار احتياجات كل مجتمع محلي ورغباته، وتبني ما يعرف بالشمول المحلي والمجتمعي، وهذا الفكر يتفق تمامًا مع منظور التقييم البيئي الشامل للإصلاح، والذي يشمل أعضاء المجتمع المحلي سواء المستفيدين أو المتضررين من أي مشروع أو جانب من الإصلاح بجانب القيادات المحلية والشعبية للمجتمع، ووسائل الحد من السلبيات أو البدائل المتاحة، وهذا يتفق تمامًا مع الاتجاه الفكري الحديث لنظرية ما بعد الحداثة، وهي فكر جديد كانت بدايته على أيدي علماء الفلسفة والفنون والموسيقى والبيئة، ثم انتقلت للعلوم الإنسانية في مجالات العلوم السياسية والاجتماع والاقتصاد وبقية التخصصات، وهي نظرية أو اتجاه فكري جديد ينقد عصر الثورة الصناعية، وما ارتبط به من نظريات شمولية وتعميمات ثبت فشلها؛ لأنه من غير المنطقي أن تصلح نظرية اقتصادية أو اجتماعية لكل البلدان، وفي كل الأزمان، أو الظروف، فمثلا النظام الاقتصادي أو السياسي الذي قد يصلح لحضارة المطر قد لا يصلح لحضارة النهر أو حضارة الصحراء. 

وبالتالي ليس هناك نظام يعمم أو ينجح في كل البلدان، لأن البيئة بمفهومها الشامل للأبعاد الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية تختلف من بلد لآخر ومن زمن لآخر داخل نفس البلد، وتناولت النظرية النظام الراسمالي، وأكدت فشلة حتي في استمرار نموه الاقتصادي، حيث يترواح مابين 1%و 2% الآن في معظم الدول الراسمالية، ومعظم هذا النمو المنخفض يرجع لتجارة السلاح والضغط على كثير من دول العالم الثالث لتسويق المنتجات الرأسمالية، كما حدث في صفقة واحدة لأمريكا العام الماضي مع إحدى الدول العربية بـ 400 مليار دولار، في حين حققت الصين والهند وماليزيا معدلات نمو تتراوح مابين 7 و9%، هذا فضلا عن مشكلات أخرى صاحبت هذا النظم مثل تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وانتشار الجريمة وتزايد معدلات التلوث البيئي والتغيرات المناخية التي تهدد حق الحياة مع نهب ثروات العالم الثالث، وإشعال الحروب وانتشار الإرهاب.

وخلاصة النظرية رفض الأطر النظرية المرتبطة بعصر الثورة الصناعية في معظم المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، ومن ثم أهمية البحث عن نظم جديدة تراعي خصوصية كل مجتمع وزمانه في كافة المجالات، لأن العصر الحديث وما هو قادم لن يكون به نظام رأسمالي أو شيوعي صرف؛ بل أطر ونظم جديدة متعددة وليست واحدة أو قوالب جامدة لأن لكل مجتمع خصوصيته والتغيرات في الواقع بدأت تتضح معالمها؛ حيث تخلت أمريكا بوضوح عن مبدأ حرية السوق، وهو أساس النظام الراسمالي، وفرضت قيودًا وجمارك عالية على كثير من المنتجات الصينية والأوروبية، وتدخلت الحكومة الأمريكية والحكومات الأوروبية في أزمة الرهن العقاري في بدايات هذا القرن، وصرح ساركوزي ريئس وزراء فرنسا، قائلا، يؤسفني اليوم أن أعلن سقوط الرأسمالية وضرورة تدخل الحكومة لمواجهة الانهيار الاقتصادي. 

وفي هذا الشان يشيرالكاتب سمير مرقص، إلى دراسة أصدرتها مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية حديثة، تؤكد نتائجها فشل أحزاب اليمين واليسار في تحقيق أهدافها، أو تطبيق شعاراتها على أرض الواقع، وبالتالي فشلا في الحصول على رضا مؤيديهما من الشعب، مما دفع كلا التيارين إلى إعادة النظر في الأفكار الأساسية لكليهما، وتخلي كل منهما عن كثير من الالتزامات القديمة، وأضاف كلاهما كثيرًا من الأفكار الجديدة سعيا للحصول على الرضا الشعبي، مما أدى لمزيد من التقارب وتقليل الفجوة بينهما، وأصبح التنوع والمرونة سمة أساسية في الأفكار الحديثة لكليهما، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي جذبت قاعدة عريضة من المواطنين، ورأي عام، يختلف في كثير من القضايا مع الأحزاب التقليدية، والتي بدأت تفقد كثيرًا من شعبيتها أمام الوسائل الإلكترونية الحديثة.

كل ما سبق ليس مجرد اجتهادات نظرية أو فلسفية، لأنها موجودة على أرض الواقع، فكما أعلنت أمريكا وفرنسا وغيرهما صراحة التخلي عن مبدأ حرية السوق؛ لجأت الصين تحت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعطاء بعض الحريات للقطاع الخاص تحت إشراف الدولة، وأصبحت الدولة تسيطر على نحو 65% من الاقتصاد، في حين ارتفعت مساهمة الدولة في الدول الرأسمالية مثل فرنسا وإسرائيل إلى نحو 45%، مما يعني تقارب الفجوة بين المعسكرين، وتخلي كلاهما عن التشدد في السياسات الاقتصادية ، وهذا ما تؤكده نظرية ما بعد الحداثة ؛ فالعالم يعيد تشكيل سياساته الاقتصادية والسياسية، وهناك خريطة جديدة للعالم لم تتحدد ملامحها الأساسية بعد، سواء الاقتصادية أو السياسية أو غيرها، وبالتالي كل الأطر القديمة ونظم الإصلاح القديمة لم تعد تصلح لعصر ما بعد الحداثة، وعلينا مسايرة العصر ومراجعة كل السياسات القديمة والبحث عما يناسب بلدنا والبيئة المصرية من خلال التقييم البيئي الشامل لكافة الخطط والقرارات والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]