"دراما رمضان" فى قفص الاتهام.. نقاد: تنتهك الهوية.. ونفسيون يحذرون من خطورتها

8-5-2019 | 17:05

دراما رمضان

 

داليا عطية

المجلس الأعلى للإعلام: ألفاظ سوقية وإيحاءات جنسية ب دراما رمضان

ماجدة موريس: أزمة الدراما الحالية سببها "المؤلف والمخرج"

ورش الكتابة خلقت دراما متحررة وتحمل جرثومات تهدد سلوك المواطنين

استشاري طب نفسي: الدراما الحالية تهدم الإنسان وتعيق خطط الدولة في تحقيق التنمية المستدامة

خبيرة علم اجتماع: الدراما أصبحت أخطر من المخدرات.. وهناك حرب ناعمة تستخدم الفن لطمث الهوية المصرية

لم تمض أيام قليلة على عرض مسلسلات رمضان عبر شاشات القنوات الفضائية المختلفة حتى كشفت عن محتواها ومن بين نحو 27 عملا يجرى عرضها فإن المتابع لغالبيتها سيتأكد أنها لم تعد تحمل رسالة، ولا تحض على فضيلة، ولا تنهى عن رذيلة، بل تلهث وراء الإثارة، وتخترق القيم وتنتهك الأخلاق.

ولم يجد المجلس الأعلى للإعلام، أمام هذا السيل من الأعمال الدرامية الهابطة، إلا أن يصدر بيانا شديد اللهجة، يحذره فيه ويتوعد لأولئـك الذين اتخذوا هذه الأعمال الهابطة وسيلة للتربح؛ وتجاهلوا قيما راسخة فى المجتمع، ولا تليق بشهر رمضان.

ولم تكن لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام، بمعزل عن هذه المسلسلات؛ فرصدت عددًا من المخالفات في الحلقات الأولى لبعض المسلسلات، والتي تضمنت ألفاظا سوقية مثل "مش عايزه أطفح.. أطفحي انتي لوحدك"، وأخرى متدنية مثل "يابن الناقصة يا عصام".

تفتح "بوابة الأهرام"، ملف " دراما رمضان " وتتساءل: "لماذا يسودها العنف والتمييز بين المواطنين، والخروج على الآداب العامة أثناء التعبير عن قضية ما؟، وما تأثير هذه المشاهد على المجتمع؟، وما آلية عودة "دراما زمان" أو "زمن الفن الجميل"؟".

مرشد لتنفيذ الجريمة

الدكتورة سامية الخضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، تقول لـ"بوابة الأهرام"، إن الدراما لها دور كبير في الجرائم التي يشهدها المجتمع خاصة أن بعض المجرمين عندما يمثلون الجريمة وأثناء الاعتراف بها نجد فعلتهم مطابقة لإحدى مشاهد الدراما، وهو ما جعلها مرشدًا للمجرمين لتنفيذ جرائمهم.

تدمير وعي الشباب

وتشير إلى أن الشباب يمثلون 60% من السكان، وهي نسبة كبيرة ومهددة بالضياع في ظل اتجاه الدراما إلى العنف والتمييز، واستخدام الألفاظ الخارجة، والمشاهد المسيئة، متسائلة: "كيف يتشكل وجدان هؤلاء الشباب؟.. وأين الرقابة على الدراما قبل عرضها على الشاشة؟.. وكيف يُسمح لعمل بالعرض وهو يحتوي على مشاهد جارحة للآداب العامة؟".

طمس الهوية المصرية

وأشارت إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة التي نجت من "ثورات الربيع العربي"، وهو ما جعل أصحاب الأجندات من هذه الثورات يخططون لمحاربتها باستخدام الفن كسلاح ناعم في طمس هويتها؛ بالإكثار من الألفاظ الخارجة، والعبارات الغريبة، والمشاهد المسئية، ومشاهد العنف والتمييز، وكل ما يؤثر على استقرار العلاقات بين الأفراد، ومن ثم يحدث اضطرابًا في المجتمع، مضيفه: "نحن أمام حرب ناعمة تستخدم الفن لطمث الهوية المصرية".

الدراما أخطر من المخدرات

وحول تحرك المجلس الأعلى للإعلام، لضبط المشهد الإعلامي، وتوقيع غرامة قدرها 250 ألف جنيه للفظ الخارج في الدراما التليفزيونية، قالت أستاذة علم الاجتماع: إن هذه الغرامة لا تكفي، ويجب أن تصل إلى 40 مليون جنيه، أسوة بأجور الفنانيين، مضيفة "عندما يتكبد كل من المنتج ومالك الوسيلة الإعلامية التي تعرض المسلسل هذا المبلغ الضخم سيأخذون حذرهم في الأعمال القادمة، ويتجنبون المشاهد التي لا تمس قيم وأخلاقيات المجتمع"، مؤكده أن "الدراما الحالية أصبحت أخطر من المخدرات".

تضر بسلوك المُشاهد

وبحسب الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، أن الخطر الذي تمثله الدراما في عرضها مشهدًا مسيئًا أو لفظًا خارجًا لا يقتصر على لحظة المشاهدة فقط، ولا يمكن دفعه بمجرد تغيير القناة أو إغلاق شاشة التليفزيون، وإنما يمتد لما هو أبعد؛ فإن الشخص الملتقي يتأثر نفسيًا بالمشاهد المعروضة، ويتوحد مع الشخصية بل ويذهب إلى تقليدها.

الدراما تشكل وجدان الإنسان 

ويوضح هندي، أن الدراما تشكل وجدان الإنسان بطريقة قد لا تستطيع جميع وسائل التنشئة الاجتماعية القيام بها؛ فتعمل على تكوين صورة ذهنية تجاه بعض الشخصيات والوظائف والمفاهيم الاجتماعية والخُلقية، بل والعديد من قضايا وفلسفات الحياة؛ فهناك ما يسمى بالتوحد النفسي، وهو المتمثل في توحد المتلقي أو المشاهد مع الشخصية الدرامية التي يعيش معها، وتدخل بيته ضيفًا أصيلًا على مدار 30 يومًا، بعدد حلقات المسلسل فيتوحد معها من حيث السلوك والشكل والمضمون بل وطريقة الملبس والمحاكاة والتقليد في بعض اللزمات السلوكية والحركية وترويج بعض الألفاظ المشهورة بها.


تقود إلى التقليد
وأكد أن الأمر لا يقتصر على التوحد النفسي أو تشكيل صورة ذهنية معينة تجاه قضايا الحياة بل قد يمتد للمحاكاة والتقليد، ولاسيما في قطاعات الشباب وفئة المراهقين؛ حيث أثبتت الدراسات أن العديد من الذين يقبلون على التجسيد، وتناول المخدرات كانوا قد تأثروا بمشاهد التعاطي الموجودة في الدراما في مراحل شبابهم ونهايات طفولتهم المتأخرة، وهناك دراسات مسحية أخرى جرت على المتسربين من التعليم، وُجد أنهم قد قاموا بالهروب من المدرسة، وكذلك طرق الهروب والانحراف وارتكاب بعض الجرائم البسيطة، والجلوس على المقاهي نتيجة تأثرهم الشديد ببعض المواقف الدرامية التي تناولت ذلك، بل أن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى ارتفاع معدلات الطلاق نتيجة لبعض القناعات التي رسختها الدراما في نفوس جموع المواطنين.

سلاح لمحاربة المجتمع

وأناشد القائمين على تلك الصناعة بإدراك أهمية وخطورة ذلك السلاح شديد الأهمية في حرب القوى الناعمة، وتشكيل شخصية ووجدان المواطن المصري، مشيرا إلى أن هناك من الأعمال الدرامية التي غيرت من القوانين، وحققت العديد من المكتسبات للملايين، وهو ما عجزت عنه جميع المؤسسات الاجتماعية الأخرى مثل فيلم "كلمة شرف"، وفيلم "اللص والكلاب"، وفيلم "أريد حلًا"، الذي جسدت فيه الرائعة أمينة رزق، مشهدًا لم يتعد الدقيقة، إلا أنه أحدث ثورة في قانون الأحوال الشخصية وأعطى مكتسبات للمرأة عجزت من الحصول عليها على مدار عقود متتالية من الزمان.

المجتمع في خطر

ويحذر استشاري الطب النفسي، من زيادة نسبة العنف وتعدد أشكال الجريمة وارتفاع نسب الطلاق، وزيادة معدلات الخيانة الزوجية، وانتشار تناول المخدرات وعمالة الأطفال، وارتفاع معدل الجرائم بكافة أشكالها بل وخلق جرائم جديدة بسبب الدراما الحالية، مؤكدا أن "الدراما الحالية تهدم الإنسان، وبالتالي تعيق خطط الدولة في تحقيق التنمية المستدامة التي تعتبر على الإنسان كمحورًا أساسيًا في تحقيقها".

فيما ترى الناقدة الفنية ماجدة موريس، أن هناك أجيال جديدة عبارة عن "ورش كتابية" ظهرت وبدأت في صنع الدراما وهي لديها مفهومًا خاطئًا عن الحرية والإبداع؛ فأخذت تكتب وتتحرر من أي قيد اجتماعي يخص الأخلاق والقيم، وغير مبالية أن ما تصنعه يصل إلى المشاهد مباشرة".

ظهور ورش الكتابة
وحول وجود مشاهد العنف والتمييز بل وألفاظ خارجة في الدراما، تقول "موريس": إن ذلك يرجع إلى المؤلف فقد يكون جديد في المهنة أو قليل الخبرة، وقد تكون "ورشة كتابة" أفرادها مبتدئين ومتحررين من سيطرة الكاتب الكبير، متسائلة: "لماذا يوجد جيل من الكتاب المبدعين يجلسون في بيوتهم ولم يلجأ إليهم المنتجون والمخرجون في صنع الدراما؟".


وتشير الناقدة الفنية إلي أن الفن مرآة تعكس الواقع، ولكن هذا ليس مبررًا للكتاب والمؤلفين لتقديم الواقع دون فلترة، وإلا فقد الكاتب دوره الذي يتمثل في استخدام قدرته وبلاغته في التعبير عن الواقع بما لا يمس الآداب العامة وقيم المجتمع ولا يخدش حياء المشاهد.

أزمة مؤلف ومخرج

وتناشد "موريس"، من خلال "بوابة الأهرام"، المجلس الأعلى للثقافة، بإنقاذ الدراما المصرية، وتبني تدريب الكُتاب علي صنعها من خلال توفير دورات تدريبية للراغبين، مؤكده أن " الدراما الحالية تطيح بزمن الفن الجميل والأزمة أزمة مؤلف ومخرج".

وأشارت إلى أن زمن الفن الجميل، كانت فيه الدراما تتناول قضايا حقيقية ومعالجة عن دراسة وحكمة؛ فشهدت فريقًا من الكتاب الكبار والمبدعين الذين كانوا يحملون مسئولية الكلمة ومنهم الرائع أسامة أنور عكاشة.


الناقدة ماجدة موريس


الدكتور وليد هندى