رؤية السيسي البعيدة

3-5-2019 | 21:32

 

حتى قبل أن يصل للرئاسة كانت رؤية المشير السيسي للأحداث تتسم بأنها تسبق الحدث قبل أن يقع، ودومًا كان مستعدًا للأسوأ؛ فقد قرر حينما تدهورت العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والأمة دعوة القوى الوطنية في حوار برعاية الجيش، ولكن مرسي وجماعته قرروا في اللحظة الأخيرة الانسحاب، وحينما ازدادت الأمور تدهورًا منح تلك الجماعة ٤٨ ساعة لإصلاح ما أفسدته، وراح يستعصم بالأمة، وطلب منها تفو

يضًا لمواجهة أي عنف محتمل، وهو ما كان يراه وقتها، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.

وبالفعل خرجت الجماهير - يوم جمعة - تعلن رفض الدولة الدينية، وممارسات مكتب الإرشاد؛ الذي استقوى أيامها ب السفارة الأمريكية و قطر و تركيا ، وظنوا أن مصر دانت لهم.

وكان ما جرى في ٣٠ يونيو و٣ يوليو؛ حينما اجتمعت رموز الدولة المصرية وممثلو كل الفئات والأحزاب، وظل كرسي حزب الجماعة شاغرًا، وبينما كان الجميع في حالة ارتباك وترقب للخطوات التالية بعد سقوط الإخوان، كانت الفترة الانتقالية تسير بانضباط ودقة، ولم يكن في المنطقة آنذاك أي سابق تجربة عن كيفية إدارة الفترات الانتقالية، وهو ما أدى لشيوع الفوضى في دول الربيع كلها باستثناء مصر؛ ذلك لأن صورة مصر الحقيقية أمام عينيه، وكأنه يقرأ أشعة بالصبغة، وقد استفاد كثيرًا من اللقاءات العديدة التي تمت مع كل رموز الأمة المصرية، وأشهد أنه كان يمتلك الكثير من الحقائق، وكان يبهر من يستمع إليه في تلك الحوارات بقدرته على السرد المنظم، ثم الصبر على الاستماع من كافة أطراف الحوار.

وكان المجلس العسكري أيامها قد فوض الرجل في شرح وتفسير ما جرى، والأمر المؤكد أن السيسي استفاد وعرف عن قرب طبيعة النخبة المصرية، وهو ما ساعد على التئام الدولة العميقة، وامتصاص كل ما جرى في يناير وبعده بكفاءة عالية.

وبينما كانت الأمة مشغولة بتدبير وتنظيم متطلبات الحياة اليومية فاجأ المصريين بالمشاركة في توسعة قناة السويس ، وأيامها راح البعض يتساءل عن أهمية تلك الخطوة، ورأى البعض أن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وأن هذا المشروع ليس له الأولوية؛ خاصة أن تلك الفكرة طرحت أكثر من مرة منذ عهد السادات، ولم تنفذ، وبعد إنجاز المشروع بسواعد مصرية تم تكبير الممر المائي ومضاعفة حجمها؛ لتصبح الممر الدولي لدخول الكثير من الصناعات، والقضاء على الانتظار لفترات العبور، ثم - وهو الأهم - تضع مصر كمحطة رئيسية في مشروع الصين الحزام والطريق بدلا من تركيا .

وتكررت التساؤلات حينما تعاقدت مصر على شراء حاملتي طائرات "جمال عبدالناصر والسادات" في وقت كانت الخزينة تعاني شبه الإفلاس، وتحديد الاحتياطي؛ وفيما بعد عرف المصريون أن حماية مضيق باب المندب واكتشافات الغاز في المتوسط في أمس الحاجة للحماية، وقد كان بامتلاك مصر الميسترال دخلت قواتنا البحرية المصرية تصنيف بحريات الـ Green Water Navy ؛ أي البحرية القادرة على العمل في نطاق سواحل الدولة Nation's Littoral Zones والمحيطات الواقعة في النطاق الإقليمي Open Oceans of The Surrounding Region.

وحولت الميسترال البحرية المصرية من قوة دفاعية إلى قوة هجومية قادرة على القيام بعمليات الهجوم البرمائي الضخمة خارج حدود البلاد بقدرة غير مسبوقة على نقل كميات ضخمة من الجنود والدبابات والمدرعات والمروحيات الهجومية الثقيلة والمتعددة الأغراض لعمل هجوم كاسح على سواحل العدو مع قدرة كاملة على دعم كل هذه القوات بالمؤن والعلاج خلال العمليات القتالية لفترات طويلة وجعلت لمصر ذراع طولي في مواجهة العدائيات الإقليمية الحالية المتمثلة في ليبيا في المقام الأول واليمن إذا لزم الأمر؛ حيث يمكنها القيام بعمليات الهجوم البرمائي الموسعة على سواحل هذين البلدين عند الحاجة.

ويمكن الاستعانة بالميسترال مع القطع البحرية المرافقة مدعومة بالمروحيات العاملة عليها في حماية حقول غاز المتوسط؛ والتي تم اكتشافها مؤخرًا، ثم مد شرايين الطرق على كل شبر من أرض الوطن، من طرق وكبار تطوي المسافات وتقرب المصريين من أحلامهم وتوصل الحاضر بالمستقبل؛ حيث تم إنشاء 5907 كيلومترات من الطرق الحديثة المزدوجة متعددة الحارات في جميع الاتجاهات، كما تم رفع كفاءة 2530 كيلو مترًا من الطرق وتطويرها، بالإضافة إلى تنفيذ 6 محاور على نهر النيل بشكل بديع ورائع، و ربط سيناء بالوادي بأربعة أنفاق.

والأهم أن تلك الشبكة أصبحت جزءًا من خطة الحزام والطريق ؛ ليندمج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي بفضل رؤية السيسي للمستقبل؛ وهو أمر عظيم ستظهر أثاره في السنوات المقبلة.

مقالات اخري للكاتب

بدء حرب الدراما الناعمة

مسلسل (ممالك النار) أول عمل حقيقي، وأول خطوة في الطريق الصحيح؛ لمقاومة العدوان التركي، ويوثق المسلسل الحقبة الأخيرة من دولة المماليك، وسقوطها على يد العثمانيين

السجون المصرية والسجون الأمريكية

لا يمكن لأي عاقل وراشد الدفاع عن السجون؛ حتى لو كانت مقامة على ضفاف البحيرات السويسرية ويديرها ملائكة؛ فالسجن هو المقابل القبيح للحرية.

.. ولكن الحيوانات لا تقتل صغارها!!

عندما يفقد الإنسان إنسانيته، يصبح أسوأ من أشرس الحيوانات, ولكن عندما يتحول الحيوان من وحش كاسر إلى أم حنون وعطوف، فيصبح هناك خلل، وعلينا مراجعة آدميتنا..

أصحاب القداسة وأصحاب التعاسة

لا قدسية لأحد.. والانتقاد من منطلق علمي شرعي لا اعتراض عليه فكل يؤخذ منه ويترك إلا المعصوم "صلى الله عليه وسلم".. ولكن حينما يأتي الانتقاص والانتقاد من جاهل والغرض منه مجرد التشويه فهنا يكون الانتفاض دفاعًا عن الفكرة قبل أن يكون دفاعًا عن الشخص.

عودة الوعي للأمة المصرية

كانت مصر أمام اختيارين أحلاهما مر، ولم يكن أمام مصر أي بديل آخر سوى تجرع أعنف برنامج للإصلاح الاقتصادي، وكان الخيار بينه وبين إعلان الإفلاس، وكان الاختيار

وقائع سبع دقائق في قطارVIP

كان حادث قطار 934 الإسكندرية - الأقصر الـVIP كاشفًا لما في النفوس، وفاضحًا لسرعة إصدار الأحكام، وتنصيب الفيس بوك حكمًا وجلادًا.

الأكثر قراءة