في ذكرى رحيله الـ21.. نزار قباني الدبلوماسي الذي ملأ الأرض شعرا| صور

30-4-2019 | 11:23

نزار قبانى

 

يوسف العوال

في 21 مارس من كل عام يبدأ فلكيا فصل الربيع، الفصل المميز لدى محبي الخضرة والأزهار التي تتفتح في هذا الفصل، وألهم هذا الفصل الشعراء للتغني فيه، وكان من أبرز ما قيل فيه ما أبدعه البحتري: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما".. ومع ميلاد ربيع عام 1923 ولد لـ"توفيق القباني" ابنه نزار فقد شاء القدر أن يكون ميلاد نزار مع بداية هذا الفصل البديع، وفي دمشق تلك المدينة العتيقة، تشرب نزار بحب كل ما هو جميل حوله، من آثار تاريخية عظيمة، وبشر أضافوا لتلك الآثار مسحة من جمال آخر، كان أولهم والده التاجر الدمشقي عاشق الأدب وسليل أسرة أدبية عريقة. 


بين الدبلوماسية والشعر


طويل هو الدرب الذي سلكه نزار قباني ليصنع أسطورته الشعرية، فما بين التنقل بين قارات العالم القديم في عمله الدبلوماسي، والذي لا يعرفه الكثيرون أن نزار انخرط في السلك الدبلوماسي بعد تخرجه فى كلية الحقوق، وكما أن الدبلوماسية تتطلب - في أغلب أوقاتها - أن تكون رماديا، لم يكن نزار كذلك، بل اتخذ من اللون الوردي اتجاهًا له فأطلق صرخات شعرية تغنى بها العامة قبل أن يتغنى بها مطربون معروفون، وما بين تنقلات إلى مصر والصين وتركيا والمملكة المتحدة وإسبانيا، كانت الأخيرة هى التي سحرت نزار فتناسى دبلوماسيته وأخذ يتغنى بذلك المجد الأموي الذي بناه أجداده في الشام، وشبيهه في إسبانيا الإسلامية، فكتب لنا قصائد أهمها قصيدة "غرناطة"، والتي كان مطلعها:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد
عينان سوداوان في حجريهما تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد
هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها قالت: وفي غـرناطة ميلادي
غرناطة؟ وصحت قرون سبعة في تينـك العينين.. بعد رقاد
وأمـية راياتـها مرفوعـة وجيـادها موصـولة بجيـاد
ما أغرب التاريخ كيف أعادني لحفيـدة سـمراء من أحفادي


كانت إسبانيا الدولة الأهم التي أثرت في شعر نزار بعد ما رآه من حضارة عظيمة أسسها أجداده فيها، فأكسبته الدبلوماسية رحلة لتلك الدولة التي شكلت مرحلة مهمة في التاريخ الشعري ل نزار قباني .

نزار قبانى فى احد الاستقبالات .


صدمات عائلية


لم تكن حياة نزار العائلية هادئة أبدا، وهو ما أعطانا نصوصا صادقة جدا، فعندما يكتب المبدع عن أشخاص قريبين منه جدا يخرج الإبداع بشكل متمايز عن غيره، الصدمة الأولى كانت بعد انتحار أخته التي أجبرت على زواج لم ترضاه، فصمم نزار على أن يحمل على عاتقه هم المرأة الشرقية نحو أن تكون أكثر حرية وقدرة على الإضافة لمجتمعها، فكان انتحار أخته نارا تشعل قلمه ليكتب لها ولكل النساء.

جنازة نزار قبانى .

 


لم تقف صدماته هكذا فما بين انفصال عن زوجته الأولى التي تزوجها زواجا تقليديا، وزواجه الثاني من الدبلوماسية العراقية بلقيس الراوي التي كان في قصة زواجه منها حكايات تروى في عظمة حبه لها، والتي انتهت نهاية مأساوية عندما تم تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، وقد كانت تعمل بها آنذاك فخلدها نزار في قصائده، والتي أشهرها قصيدة "بلقيس" والتي منها:


بلقيسُ 
يا عصفورتي الأحلى 
ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى
ويا دَمْعَاً تناثرَ فوق خَدِّ المجدليَّةْ
أَتُرى ظَلَمْتُكِ إذْ نَقَلْتُكِ
ذاتَ يومٍ .. من ضفاف الأعظميَّةْ
بيروتُ .. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا 
وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّةْ
والموتُ .. في فِنْجَانِ قَهْوَتِنَا 
وفي مفتاح شِقَّتِنَا 
وفي أزهارِ شُرْفَتِنَا 
وفي وَرَقِ الجرائدِ 
والحروفِ الأبجديَّةْ...


ولم تقف الصدمات العائلية في حياة نزار عند هذا الحد، بل اكتملت بوفاة ابنه "توفيق" بمرض القلب، وهو في بداية العشرينات أثناء دراسته بكلية طب قصر العيني في القاهرة، فكان ذلك نقطة محورية في شعر نزار والذي رثاه بقصيدة "إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني" والتي مطلعها:


مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات
ومقصوصة ، كجناح أبيك، هي المفردات
فكيف يغني المغني؟
وقد ملأ الدمع كل الدواه
وماذا سأكتب يا بني؟
وموتك ألغى جميع اللغات...

 

نزار والغناء


اكتسبت أعمال نزار شهرة واسعة، وأصبحت كلماته يتغنى بها في أرجاء الوطن العربي كله من محيطه إلى خليجه، وطلب كبار المطربين على غناء كلماته، بداية من كوكب الشرق أم كلثوم والتي غنت له أغنيتين هما "أصبح عندي الآن بندقية" و "رسالة عاجلة إليك" وعبدالحليم حافظ الذي غنى له "رسالة من تحت الماء" و "قارئة الفنجان" وصولا إلى كاظم الساهر حاليا، مرورا بنجاة الصغيرة وفايزة أحمد وفيروز ومحمد عبده وطلال مداح وأصالة وعاصي الحلاني وغيرهم.

نزار قبانى فى صورة فردية .


الفنان العراقي كاظم الساهر كان هو الأكثر حظا في الغناء من كلمات نزار، وربط الكثيرون بينهم، فمنذ بداية التسعينات ولقاء كاظم ونزار الأول استمر الفنان العراقي في الغناء من كلمات نزار حتى اليوم، مما جعل كلماته تجري على ألسنة الكثيرين.


نزار وكاظم من أفاد من ؟


عندما بدأ كاظم الساهر يغني كلمات نزار لم يكن نزار يحتاج إلى شهرة، بعد أن تغنى له عمالقة الغناء قبل ذلك، بل كان العراقي في بدايات مرحلته الفنية فأكسبته كلمات نزار رونقا على رونقه المميز، بالإضافة لشهرة واسعة مكتسبة من شهرة الشاعر قبل ذلك، لكن لنكون عادلين فالساهر غنى لنزار عشرات القصائد التي أصبحت تجري على ألسنة العامة قبل المثقفين، فلولا كاظم لظلت قصائد كثيرة لنزار محبوسة في الكتب الكثيرة التي كتبها ولا يعرفها غير مقرئ نزار، إذا فالاستفادة كانت متبادلة بين الاثنين.

المدرسة النزارية


نزار قباني هو حالة فريدة في الشعر العربي ، بتكريث أغلب شعره للحديث عن المرأة، وقد ساعدته عدة عوامل على أن يكون مدرسة شعرية ونماذج خاصة به أهمها حياته الطويلة التي أسعفته على ذلك (76 عاما)، ولم يمتد العمر غيره لأن يكونوا مدارس شعرية متميزة رغم قوة ما كتبوه.

سفير اليمن يرحب بنزار قبانى .

 


وأضف إلى ذلك غزارة شعره فلم يتوقف نزار عن الكتابة حتى وهو على فراش المرض الأخير في حياته، كما أن أسلوبه السهل الممتنع جعل كلماته قريبة من البسطاء، وصراحته الشديدة في وصف المرأة جذبت إليه الكثيريـن من عشاق الشعر، بالإضافة إلى قصائده المغناة لكبار المطربين التي تلاقي انتشارا واسعا.

نهاية الرحلة 

شهدت العاصمة الإنجليزية لندن في مثل هذا اليوم منذ 21 عاما في 30 أبريل 1998 الأنفاس الأخيرة في حياة نزار قباني ، ليغيب بجسده عنا، ويدفن جسده في المدينة التي ولد فيها دمشق، وتغنى بها كثيرا في شعره، ونختم الحديث عنه بـ"القصيدة الدمشقية" التي مطلعها:

 هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ    
إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي    
لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم    
سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا    
وما لقلـبي –إذا أحببـتُ- جـرّاحُ...  

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]