[x]

ثقافة وفنون

مؤرخ أثري لـ"بوابة الأهرام": الجيش المصري أنقذ حضارات الشرق الأدنى القديم في أول معركة بحرية بالتاريخ

26-4-2019 | 17:13

الجيش المصري

محمود الدسوقي

قال الدكتور محمد رأفت عباس الباحث فى علم المصريات والمؤرخ المتخصص فى دراسة العسكرية المصرية القديمة ومؤلف كتاب الجيش فى مصر القديمة ( عصر الدولة الحديثة " 1550 – 1069 ق.م " إن شخصية المصرى القديم كانت تميل إلى السلم بفضل الحياة الزراعية الآمنة المستقرة التي كان يحياها على ضفاف نهر النيل، وكان يميل إلى الاهتمام بتشييد وبناء أسس حضارته العظيمة في النواحى الفكرية والمادية، مؤكداً أنه بدأت تظهر بواكير أول جيش نظامى فى مصر مكون من عشرات الآلاف من المجندين، وذلك لمواجهة البدو القاطنون على حدود مصر الشرقية الذين قاموا بإحدى غاراتهم على الدلتا.

وأضاف محمد رأفت عباس في تصريحات خاصة لــ"بوابة الأهرام " أنه مع استعادة مصر لوحدتها وقوتها مرة أخرى خلال عصر الدولة الوسطى ( 2040 – 1795 ق.م ) ، عادت مصر إلى مزاولة دورها التاريخى والحضارى، وشهدت تلك الحقبة بعض النشاطات العسكرية فى الجنوب على يد ملوك الأسرة الثانية عشرة الكبار أمنمحات الأول وسنوسرت الأول وسنوسرت الثالث بغرض تأمين حدود مصر الجنوبية ، واستطاع ملوك الدولة الوسطى تكوين جيش من قوات الحرس الملكى ومن الفرق العسكرية التى كانـت يرسلها حكـام الأقاليـم، وقامـوا بنشـاط عسكرى فى حـدود مصـر الشمالية الشرقية بهدف تأمين حدود مصر من هجمات البدو فى تلك المناطق.

واتفق المؤرخون على أن الملك سنوسرت الثالث كان شخصية عسكرية فذة فى تاريخ مصر القديمة ، إلا إنه ومع سقوط ونهاية الدولة الوسطى تعرضت مصر وحضارتها لمحنة كبرى وقاسية ، حيث وقعت مصر خلال عصر الانتقال الثاني كفريسة للغزاة ا الهمج من الهكسوس الذين اجتاحوا مصر من حدودها الشمالية الشرقية ، فكانت المرة الأولى فى تاريخ مصر التى تتعرض فيها للاحتلال الأجنبى على يد الغزاة الآسيويين المتبربرين.

كان الغزو البربرى القادم من آسيا كان درسا قاسيا كما يوضح مؤلف كتاب العسكرية المصرية ليدرك المصريين أن حضارتهم ودولتهم وأمتهم لن يكون لها وجود إلا من خلال توافر القوة العسكرية اللازمة لحماية أمنهم ومنجزاتهم الحضارية فقد كان لهزيمة المصريين الحربية أمام الهكسوس أثر نفسى عميق فى الشخصية المصرية ، فجاء التحول الكبير والحاسم فى شخصية المصرى القديم ، الذى تحول من شخص مسالم منشغل بالاستقرار والزراعة والتشييد على ضفاف النيل إلى جندى محارب شديد البأس والقوة ، استطاع فرض قوته وسطوته العسكرية والقتالية على سائر شعوب وأمم العالم القديم .

وأوضح محمد رأفت عباس أنه كان بديهيا أن يدرك المصريون أن التخلص من الاحتلال الأسيوى لن يأتى إلا بإرادة شعبية عظمى وقوة عسكرية ضاربة ، فقضى المصريون وقتا طويلا فى الإعداد لحرب التحرير ضد المحتلين الهكسوس ، وبالفعل خاض ملوك الأسرة السابعة عشرة سقنن رع تاعو الثانى وكامس حرب التحرير المجيدة ضد الغزاة الهكسوس ، وحقق كامس انتصارات عسكرية حاسمة ضد أعداء مصر حدت من مناطق تواجدهم كثيرا ، حتى جاء الانتصار العسكرى الكبير والحاسم والتحرير على يد فرعون مصر الباسل أحمس الأول – مؤسس الدولة الحديثة – الذي استطاع طرد الهكسوس من مصر نهائيا ، بل ومطاردتهم وتتبعهم فى فلسطين ولبنان ، لتتخلص مصر نهائيا من ذلك المحتل البغيض ، ولتبدأ مرحلة جديدة ومجيدة فى تاريخها الشامخ ، وهو عصر الدولة الحديثة ( 1550 – 1069 ق.م) .

عمل الملوك الأوائل للدولة الحديثة على تكوين وتطوير الجيش المصرى بشكل كبير ليكون الدرع الواقى والحامى لمصر فى مواجهة أى غزو أو تهديد خارجى كذلك فقد ظهرت لدى الجندى المصرى القديم أسس العقيدة القتالية التى اعتنقتها العسكرية المصرية ، وبالفعل شهدت النظم العسكرية المصرية تطورا مذهلا فى كافة أفرع القوات المسلحة المصرية مع مطلع عصر الدولة الحديثة ، وقسم الجيش المصرى إلى فرق من المشاة والمركبات الحربية والقوات البحرية ، بل شمل التطور كذلك نظم التسليح المختلفة داخل الجيش المصرى .. ولقد تحقق التفوق فى آلة الحرب المصرية ، والتفوق الهائل للجيش المصرى ، منذ النصف الثانى من القرن السادس عشر قبل الميلاد ، واستمر بلا انقطاع لمدة تصل إلى نحو مائتى سنة متصلة .

وخاض الجيش المصرى خلال تلك الحقبة عشرات المعارك الحربية الشرسة فى آسيا والنوبة والصحراء الغربية من أجل حماية أمن مصر واستقرارها وتوطيد نفوذها السياسى فى الشرق الأدنى القديم .. وأمدتنا نصوص عصر الدولة الحديثة بمعلومات غزيرة عن تاريخ وتنظيم الجيش المصرى خلال تلك الحقبة وعن المعارك الحربية الشهيرة الحاسمة التى خاضها ذلك الجيش كموقعة مجدو فى عهد تحـتمس الثالث ، وموقعة قادش فى عهد رمسيس الثانى ، وحروب الملك رمسيس الثالث ضد الليبيين وشعوب البحر وظهر خلال عصر الدولة الحديثة العديد من فراعنة مصر المحاربين العظام الذين شيدوا مجد مصر الحربى وسطروا تاريخ العسكرية المصرية بحروف من نور.

وكان من أهم هذه المعارك على الاطلاق فى تاريخ مصـر القديمة معركة مجـدو التى وقعت فى العام الأول من عهد الفرعون المحارب الشهير تحـتمس الثالث ، كما تعد معركة قادش الشهيرة التى وقعت بين فرعون مصر المحارب الملك رمسيس الثانى والحيثيين وحلفائهم بقيادة ملكهم مواتلى ، وذلك فى العام الخامس من عهد الفرعون ( حوالى 1274 ق.م ) ، واحدة من أشهر وأبرز معارك تاريخ العالم القديم .

وأضاف محمد رأفت عباس أنه كانت معركتي جاهى ومعركة الدلتا اللتان وقعتا عام 1178 ق. م بين الجيش المصرى وجحافل شعوب البحر فى العام الثامن عهد الملك رمسيس الثالث اثنتان من المعارك التاريخية الكبرى التى حددت مصير منطقة الشرق الأدنى القديم بأكلمه لسنوات طوال خلال منتصف العصر البرونزى المتأخر ، فلم يخوض جيش مصر الباسل هاتين المعركتين دفاعا عن أرض مصر وحدودها المقدسة فحسب بل دفاعا عن مصير حضارة الشرق الأدنى القديم بأكمله الذى سقط أمام طوفان غزوات شعوب البحر المدمرة والتى جاءت من مناطق بحر إيجة والأناضول واجتاحت فى طريقها الكثير من مدن سوريا وكنعان ( فلسطين ) كما استطاعت القضاء على الإمبراطورية الحيثية الكبرى فى آسيا الصغرى والكثير من مدن الساحل كأوجاريت وأرادت غزو مصر.

وقام الفرعون المحارب العظيم رمسيس الثالث بقيادة الجيش المصرى إلى النصر فى مواجهة الغزاة فى معركتين كبيرتين إحداهما برية والأخرى بحرية ، وقد أطلق على المعركة البرية اسم معركة جاهى وهى المنطقة الواقعة على ساحل لبنان الجنوبى عند أقصى نقاط حدود الإمبراطورية المصرية الشرقية ، أما المعركة البحرية والتى أطلق عليها معركة الدلتا فقد كانت أولى المعارك البحرية فى التاريخ القديم ، وقد وقعت عند سواحل الدلتا المصرية عند مصبات نهر النيل وتمكنت القوات البحرية المصرية فيها من الانتصار على سفن شعوب البحر وسقط مئات الأسرى من الأعداء فى أيدى جند مصر البواسل. سجلت تفاصيل هذه المعارك التاريخية الحاسمة على جدران معبد مدينة هابو بالبر الغربى بطيبة بتفاصيل كاملة.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة