هل الفاشلون.. فاسدون؟

24-4-2019 | 19:07

 

سؤال فلسفي بحت، استغرقت في إجابته وقتًا طويلًا، ولم أصل لإجابة فيه، ورأيت أن أجعله حديثًا للرأي العام، فقد يدور من خلاله عصف ذهني، يتأتى لنا من ورائه الحصول على إجابة شافية.


كلنا تقريبًا بلا استثناء نتحدث بثقة مفرطة عن أن المحليات تعج بالفساد، حديث قديم، يتجدد دائمًا، حتى أضحى واقعًا، نتعايش معه بهدوء تام، دون أدنى درجات الانزعاج، نُشاهد كمًا كبيرًا جدًا وعجيبًا في الوقت ذاته لحالات من التعدي على حقوق الدولة، متمثلة في اعتداءات على الطرق واستقطاعها، كما نشاهد أغلب المقاهي الموجودة في كل أنحاء مصر تفعل ذلك، ومن قبلها تشغيلها بدون ترخيص!

وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من المحال التي تعمل في مجالات الأطعمة والمأكولات وغيرها من النشاطات، بخلاف الأكشاك التي تقف في أماكن غريبة، وتعمل أيضًا دون ترخيص، ناهيك عن الطرق المهترئة المملوءة بالحفر، نتيجة أعمال تجديد شبكات الكهرباء أو الصرف.. إلخ.

ولا تتم إعادتها لوضعها الطبيعي، كما كانت، وكأنه فُرض على الناس أن تعيش في معاناة دائمة، بل وتتعايش معها دون أن تمتعض، باعتبار أن هذا الحال المؤلم، هو الصواب، والعكس هو الخطأ.

نعم أصبح الخطأ هو السمة الأساسية، وبتنا نتحسر على شُح الحال السليم باعتباره من النوادر، كل ذلك ولا نعرف متى يعود الصواب لوضعه الطبيعي، ومتى يشعر الناس بأن هناك تغييرًا لواقعهم المستفز، لآخر منضبط، لاسيما، أنهم يفعلون ما يُطلب منهم وهم راضون به، ومقتنعون بأن الصواب يُحتم عليهم ذلك، فإلى متى ينتظر الناس؟

منذ فترة شكا لي أحدهم، بعد أن افتتح محله الخاص بالحلاقة منذ 12 عامًا، بأحد أحياء القاهرة، واشتراه من الشركة المالكة باعتباره محلاً، هكذا كان التعاقد بينهم، ثم تفاجأ بصعوبة ترخيصه، وبعد تعرضه لسخافات كثيرة من مسئولي الحي، قرر أن يرفع قضية على الحي، مطالبًا إياه بترخيص منشأته، وبرغم مرور سنوات عليها، لم يُبت فيها حتى الآن!

هل من المنطقي وجود منشآت كثيرة صغيرة غير مُرخصة، تعمل وتستهلك مياهًا وكهرباء، ولا تتم محاسبتها عليها بالسعر التجاري، وأحيانًا، لا تتم المحاسبة إطلاقًا، بخلاف ما يحققونه من أرباح، لا يدفعون الضرائب المستحقة عليه، فهم بشكل ورقي ومستندي لا وجود لهم، برغم وضوحهم بشكل مفجع للمسئولين قبل العامة، وتخرج بعض الحملات على استحياء لغلق بعض هذه المنشآت، لتعاود كرتها وتستأنف العمل بعد أقل من ساعة!

أي منطق هذا، ونحن نطالب الناس بالالتزام، ليُشاهدوا آخرين يسرقون التزامهم، محققين من ورائه أرباحًا طائلة دون رقيب أو حسيب!
هل ما سبق وذكرته يُعد من المفاجآت، لا، ولكنه واقع نعيشه ونتنفسه كل يوم، واقع مُر نتذوق مرارته أيضًا كل يوم.

ومبررات ومسوقات هذا الواقع المُر، تجدها على ألسنة الفاشلين، حينما يتذرعون ببيروقراطية القانون، التي تحد قدرتهم على اتخاذ اللازم، برغم أن هناك منهم على أقليتهم، من يواجهون هذا العته الإداري بحزم وانضباط رائعين، ولكن لقلتهم، لا تكاد تشعُر بهم.

من هنا، نعود لعنوان المقال، هل الفاشلون، الذين يلتزمون بالسير جانب الحوائط، ويفضلون الابتعاد عن مواجهة المخالفات، درءًا لعدم الدخول في مواجهات مع المخالفين، وفي بعض الأحايين الاستفادة من أوضاعهم بشكل ما.. هل هم فاسدون؟

إذا اتفقنا على فسادهم، فمتى نواجههم؟ لاسيما أن أشباههم وأمثالهم في جهات حكومية أخرى كثيرة، يرتعون وهم جالسون على مقاعدهم الوثيرة، مختبئين خلف بنود القانون التي تسمح لهم بالتقوقع داخل مكاتبهم، عملاً بالمثل الإعلامي الشهير، سكن تسلم.

وأخيرًا، انعكاس وجود هؤلاء الفاشلين على المواطنين، سيئ، ويصيبهم بالإحباط، فكلما نشاهد إنجازًا رائعًا، نجد من بين هؤلاء، من يلوثه بأدائه المشين.

أتمنى أن نشاهد تغييرًا جذريًا، لكل الفاشلين، الذين يعطلون مسيرة البناء والتنمية التي حققت فيها مصر إنجازًا يصل وبصدق لدرجة الإعجاز.
والله من وراء القصد.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

تزييف الوعي.. وتزييف الدين

أن تُحلل حرامًا لتُبرر سلوكًا حرٌمه الله؛ فكر، توقفت كثيرًا عنده؛ محاولا تفسيره، ولكني لم أستطع؛ فكلما رأيت أحدًا مدعي الدين، يفتي بقتل العسكريين، وتحليل قتلهم، وصولا لهدفه الغادر، يزداد يقيني بأن هؤلاء ومن على شاكلتهم مصيرهم جهنم وبئس المصير.

فوائد الأعياد

كانت مفاجأة سارة أن أذهب لجريدتي صبيحة اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك، وهو اليوم الأول في إجازة عيد الفطر المبارك، لأشاهد القاهرة في أبهى صورها.

الكهرباء ومخالفات البناء والقمامة

بحسب تصريحات وزارة الكهرباء؛ فإنه سيتم تقنين أوضاع الوحدات المخالفة، وتوصيل الكهرباء إليها؛ وتلك الوحدات هي التي اُقيمت مخالفاتها قبل يوم 22 يوليو 2017؛

التطوير بين الجوهر والمظهر

أخذ السجال بيني وبين صديقي المقيم في ريف محافظة البحيرة يزداد توهجًا، أنا أدافع بكل قوتي عن المنظومة الجديدة للتعليم؛ وهو يهاجمها أيضًا بكل قوته؛ فتوقفت لبرهة ألتقط أنفاسي، وسألته أنت ضد التطوير؟

إنجازات تدعو للفخر

ليست فقط المشروعات التي افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسي، أمس، بما فيها كوبري "تحيا مصر" المُلجم الذي دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية، ولكنها إنجازات أخرى كثيرة نُشاهدها تزدهر وتترعرع كل يوم، في شتى بقاع مصر.

هل يصوم الفاسدون؟!

كلما مررت بحديث عن الفساد؛ أجدني منصتًا؛ علٌني أخرج منه بجديد؛ ومع تكرار هذه النوعية من الأحاديث؛ بدأ يسكن يقيني أنه لا جديد يمكن أن أسمعه؛ ما دامت الحال هيا الحال؛ والناس تتعامل مع هذا الملف بتلك الرعونة العجيبة؛ مع حالة التآلف الأغرب؛ أضحى الفساد جزءًا لا يتجزأ من حياتنا.

الأكثر قراءة