مشعل النور الإسلامي العقلي

25-4-2019 | 20:55

 

كثيرة هي الشبهات التي يثيرها العلمانيون والليبراليون في مجتمعاتنا الإسلامية، ظلما وزورا وبهتانا، لا لشيء إلا ليصرفوا الناس عن عقيدتهم الصحيحة، وليشككوهم فيها، وليعلوا من شأن فكر ومعتقد فاسد، وبضاعة معطوبة، متعصب ذميم بعيد كل البعد عن المصداقية، والواقع الفعلي والعملي لديننا الإسلامي الحنيف.

وسترى بنفسك مدى زيف وافتراءات هذه الشبهات من أرض الواقع بحقائق يقينية لا تقبل الشك، أعمى العلمانيون أبصارهم وقلوبهم عن تدبرها ووعيها وإدراكها، ولو وعوها وتدبروها بإنصاف لما حادوا عن الجادة، ولكنه عمى البصيرة والحقد والبغض على الإسلام، ولكل ما يمت له بصلة، سواء أكان تشريعا، أو عقيدة، أو حضارة، أو فكرا، أو سلوكا.

العلمانية والليبرالية ومن شايعهما وسار على دربهما، يزعمون أن تخلف المسلمين ما هو إلا نتاج الإسلام الذي عفا عليه الزمن، ولم يعد يصلح لهذا الزمن والعصر في بيئة اتسعت وشملت والاختراعات والاستكشافات العلمية الحديثة السريعة، والصعود للفضاء والإنترنت، وغير ذلك.

بيد أني أترك أولا قرآننا الكريم يرد عليهم، حينما نزلت أولى آياته تدعو النبي بالقراءة والعلم، في قول الله عز وجل: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وما فتئ القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى التعليم، ويثني على العلماء ويمتدح صنيعهم، ويبين مكانتهم، فيقول تعالى: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"، ويقول سبحانه وتعالى: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ"، ويأمر الله تعالى نبيه وأتباعه بأن يزيده من علمه، في قوله: "وقل رب زدني علما"، بل كرم الإسلام العلم، وأعطى أهله من الفضل والثناء المنزلة العالية الكبيرة على سائر الناس، بمن فيهم العُبَّاد الذين نذروا أنفسهم لعبادة الله – عزوجل – فنرى نبينا يقرر: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير".

وحين كان المسلمون متمسكين بدينهم، ملتزمين شرائعه، سادوا وسبقوا العالم أجمع، وأبدعوا حضارة فريدة علمت أوروبا كلها، حين كانت تتخبط في دياجير الجهل والظلام، وعلى العلمانيين والليبراليين أن يعرفوا هذا، ويكفينا ما ردده علماء الغرب المنصفون عن فضل الحضارة الإسلامية وكانوا شهودا على مآثرها، فيقول الدكتور "ستانلي لين بول" في كتابه "تاريخ العالم": "لم يحدث في تاريخ المدنية حركة أكثر روعة من ذلك الشغف الفجائي بالثقافة الذي حدث في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فكان كل مسلم، من الخليفة إلى الصانع، يبدو كأنما قد اعتراه فجأة شوق إلى العلم وظمأ إلى السفر، وكان ذلك خير ما قدمه الإسلام من جميع الجهات".

بل يصف المؤرخ "جوليفي هكستلو" حركة التقدم الإسلامي ونهضة المسلمين في مؤلفه "قانون التاريخ" بقوله: "إن التقدم العربي بعد وفاة الرسول كان عظيما جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب ظهر أثره في الفنون والآداب والشعر والعلوم، وقبض العرب بأيديهم - خلال عدة قرون - على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين ولا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوه من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقادة للغاية، وكانت المدنية الإسلامية طويلة العمر، باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها.

كما حرص كثير من الخلفاء المسلمين على إنشاء دور للعلم، مثل دار الحكمة، وبيت الحكمة اللتين تأسستا في العراق ومصر، وكان الخليفة المأمون حريصا على ترجمة الكتب التي تشتمل على علوم الغرب، لينتفع منها المسلمون ويرتب على ترجمتها الجوائز الكبيرة، والآن يأتي العلم الحديث في عصرنا المعاصر ليدرك كثير من العلماء غير المسلمين أن القرآن الكريم قد سبقهم بآلاف السنين في توضيح وبيان حقيقة الكثير من الظواهر والآيات الكونية، فيسلم عدد كبير من علماء الغرب حينما اكتشفوا ذلك بأنفسهم.

وإذا كان هذا حال سلفنا، من تقدم علمي وتقني في شتى المجالات شهد به الآن علماء الغرب المنصفين، فلنا أن نعرف أن خفوت ضوء هذا التقدم الإسلامي، العلمي، والحضاري، والفكري، والأخلاقي، وجفاف مائه، إنما يرجع إلى بعدنا نحن المسلمين عن ديننا وشرائعه، وأخلاقه، ولننظر إلى هذه المفارقة بيننا وبين أوروبا، فعلى حين كان تقدمها مرهونا بتخلصها من دينها المبدل، كان تخلفنا ببعدنا عن ديننا، ولن تعود لنا الريادة إلا إذا عدنا إليه مرة أخرى مستمسكين به على بيّنة وبصيرة ويقين، عاضين عليه بالنواجذ.

ثم هذا البلاء المزري الذي ألمّ بالمسلمين في شتى بقاع الأرض، المتمثل في شتاتهم، وتفرقهم، واختلافهم، وتناحرهم، مخالفين في هذا أمر ربهم سبحانه وتعالى الداعي إلى الوحدة والاعتصام في أمره لنا: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"، وقول نبينا:"عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة"، فكان تشرذمهم وتناحرهم، بتدبير الاستعمار الغربي الذي غزا الشرق الإسلامي عقودا من السنين، لم يبرحها إلا وقد زرع هذه البذور الفاسدة العاطبة، فلا يقوم لمجتمعاتنا الإسلامية قائمة مرة أخرى، وليبقى دوام تفوقه ورواج سلعه في أسواقنا التي جعلها مستهلكة لها.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الإسلام.. وعظمته مع الآخر

لا تفتأ الكثير من الأبواق الإعلامية الخارجية، والعلمانية، المعادية لديننا بأبواقها المختلفة مقروءة ومرئية، تعرض اتهامًا زورًا وبهتانًا لإسلامنا بالعنصرية

حب الغير

من الرسائل والبوستات الدعوية عظيمة الشأن والأثر المنتشرة بوسائل التواصل الاجتماعى القول: عندما تمر جنازة، ادعُ لصاحبها بالرحمة والمغفرة، وحينما ترى عاملًا أرهقه التعب في الشارع قل: اللهم خفف عنه وارحمه، وعندما ترى سيارة عريس مرت في الشارع أو أمام باب بيتك، قل: "اللهم بارك لهما واجمع بينهما في خير"..

رمضان.. ونفحات الرب الكريم

يقول الله تعالى في الآية 183 من سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ

إماطة الأذى من عقولنا وسلوكياتنا

أرسل الله تعالى نبيه، "صلى الله عليه وسلم"، بخاتم الرسالات، ليتمم به مجمع الهداية والأخلاق القويمة، والسلوكيات المنضبطة وفق شرائع إيمانية تسمو بالفرد ومجتمعه

إنقاذ الغارمات

من جميل ما قرأت هذا الأسبوع، وقدرتها، شكرا وعرفانا للقائمين عليها، ما جاء بجريدة الأهرام، تحت عنوان، مشروع قانون "العقوبة البديلة" إنقاذ للغارمات.. 30

الإسلاموفوبيا..واليمين الإرهابي.. ومسلمو الخارج

أثمن تقريرا أصدره مرصد الإسلاموفوبيا التابع لدار الإفتاء المصرية، يعرض فيه -رصدا ومتابعة وتحليلا شافيا بليغا موضوعيا- وسائل الجماعات والتنظيمات اليمينية

الأكثر قراءة